رواية”روح الفؤاد ” الفصل التاسع عشر والعشرون

بقلم :نهال عبد الواحد

وفي الصباح نهضت روح فلم تنم جيدًا فأخذت حمامها وبدلت ملابسها ببنطال وكنزة ثم خرجت من غرفتها فوجدت تلك الصالة التي كانت عبارة عن حجرة معيشة فيها أريكتين كبيرتين على هيئة رُكنة كبيرة جوارهما من الجانبين عدة مقاعد مكعبة كبيرة ثم شاشة تلفاز كبيرة على الحائط وبجوارها مكتبة مملوءة بأقراص مدمجة.

التفتت جانبًا نحو الستارة الكبيرة المغلقة فحركتها قليلاً فوجدتها تطل على شرفة كبيرة وابتسمت فقد أُعجبت بها كثيرًا فيمكن الجلوس فيها خاصةً وهي تطل على حديقة الفيلا.

هبطت روح من السلم الداخل تتلفت حولها فذلك الجانب فيه مجموعة من الصالونات وذاك الجانب به السفرة.

لكنها سمعت أصواتًا قادمة من المطبخ فدخلت فوجدت عزيزة المربية ومعها فتاتان تبدوان خادمتان فأهدرت روح إليهن بود: صباح الخير.

فأجابت المربية مبتسمة: صباح النور سيدتي، هل ترغبين في شيء أفعله لكِ سيدتي؟

تابعت روح بلطف: لا داعي لطريقتك الرسمية هذه فأنا لا أجيد التعامل بهذه الطريقة.

– الله يعزك ابنتي!

– أتعدون الإفطار؟

– أجل! لكن أخبريني بما ترديه ولا تتعبي نفسك في فعل شيء.

– ليس هناك أي تعب وهانحن معًا نتعاون ونساعد بعضنا بعضًا.

فأهدرت إحدى الخادمتين بإعجاب: هل تعلمي أنك في الحقيقة أجمل من الشاشات بكثير؟

فقالت المربية: هي تبارك الله مثل القمر!

أجابتهن روح بابتسامة ممتنة: أشكركن جدًا.

فقالت الخادمة الثانية: لكن هذه المرة الأولى للسيد مراد يتزوج فيها امرأة وتدخل عندنا بالمطبخ!

فلكزتها عزيزة فقالت بتراجع وتوتر: معذرة لكني أقصد…..

فقاطعتها روح بتفهم: لا عليكِ عزيزتي، لكني لست بسيدة مجتمع فأنا لم يكن لي يومًا خادمة وأفعل كل شيء بنفسي أطبخ وأمسح وأنظّف… هيا نعد الإفطار!

بالفعل وقفت روح تعد الإفطار فأعدت الفول بطريقة رائعة ومميزة، طبق من أومليت البيض (الاسبانش) وآخر للجبن و….. حتى انتهت وكانت الباقيات تشاهدنها بإعجاب وتتحدثن معها بأريحية و تلقائية وتصاعدت أصوات ضحكاتهن… كم هي لطيفة!

فقالت روح متسآلة: هل أخرج الأطباق إلى السفرة الآن أم لازال الوقت باكرًا على استيقاظ الأستاذ مراد؟!

تابعت المربية بإحراج: حقيقةً، إن مراد اعتاد ألا يتناول الإفطار.

أهدرت روح بفجأة: هه!

لكن سرعان ما جاء صوت مازح من خلفها: لا يا دادة! لقد كان هذا في الماضي أما الآن فسأتناول فطوري من يد زوجتي الغالية كل يوم.

فابتسمت روح دون أن تلتفت فضحكت الخادمتان والمربية ثم اقترب مراد وطبع قبلة سريعة على خدها: صباح الخير غاليتي.

وجمت روح قليلًا وتلون وجهها باللون الأحمر خجلًا ثم قالت بخفوت: صباح الخير.

خرج مراد من المطبخ وأقسمت المربية من داخلها أن هذا شخص آخر غير مراد الذي تعرفه طوال عمرها، وضعت الإفطار وتناوله مراد وروح.

كانت روح صامتة وبادٍ عليها التوتر حتى إنها لا تلتفت عن الطبق الذي أمامها وكان مراد يتابعها بابتسامة حتى انتهى من طعامه وفاجأها بمسك يدها ثم قبّل يدها تلك قائلًا: سلمت يداكِ، هل لكِ بعد انتهاءكِ من الإفطار إخبارهم بعمل فنجان من القهوة إلى غرفة المكتب.

وأشار ناحيته وكانت لا تزال واجمة ولم ترد بحرف بل اكتفت بهز رأسها أن نعم.

تركها مراد ودخل إلى غرفة مكتبه وهي لا تزال في مكانها تحاول استيعاب ما يحدث، قامت روح وهمّت بجمع الأطباق كما اعتادت فوجدت الخادمتين يسرعان بفعل ذلك فاتجهت هي للمطبخ لتصنع القهوة لمراد ثم صبتها واتجهت نحو غرفة المكتب فطرقت الباب ودخلت فهب مراد واقفًا وقال مبتسمًا: أتقدميها لي بنفسك؟!

فأجابت روح بهدوء: بل وصنعتها أيضًا.

فابتسم مراد وتابع: سلمت يداكِ، ليتك لا تتعبين نفسك.

– هذا ليس بتعبٍ هو مجرد فنجان قهوة.

– أقصد عمومًا فهناك أفراد مهمتهم خدمتك.

– لم أعتاد على ذلك.

– إذن فلتعتادي، وإن كان ضروريًا فيكفي صنع الأكل لكن هن من تنظفن وتقطعن كأنك في البرنامج، لا أحبك متعبة.

فأومأت روح أن نعم بتوتر قائلة: حسنًا! يبدو أني أعطلك عن عملك!

فتابع معترضًا: لا لا.

ابتلعت ريقها بتوتر وهي تفرك أصابعها معًا ثم قالت: أستاذ مراد! هل تأذن لي بسؤال؟

رفع مراد حاجبيه ثم ابتسم وقال: هذه بداية غير لطيفة، أرأيتي زوجة تنادي زوجها بـ أستاذ، إلا إذا كانت تناطحه بحديثها فتصرخ فيه يا أستاذ!

فضحكت وضحك على ضحكتها، فقالت: حسنًا مراد، لماذا تزوجتني؟!

نظر نحوها فجأة ولم يرد وكأنه تألم من داخله ألتلك الدرجة لا ترى عشقه أو تشعر به، ثم قالت: أعتذر منك على طريقتي هذه لكن…….

فقهقه مراد فجأة قائلًا: طريقتك! أود أن أخبرك أن هذه هي أرق مرة تتحدثين بها معي منذ أن قابلتك.

فضحكت بحرج فأكمل: هل لكِ أن تنحّي إجابة هذا السؤال الآن؟ ولنعرف بعضنا أولًا وكل شيء سيجئ وحده ويحدث تباعًا.

فأومأت برأسها أن نعم ثم نظرت نحو ملف على سطح المكتب، فتسآلت على استحياء: هل هذا عملك؟

– لا إنها رواية كنت أختمها، وأتمنى أن تكونين أول من يقرأها بشرط أن تخبريني رأيك فيها بصراحة.

فهزت برأسها أن نعم وهي تمد يدها تمسك بها وتفتحها تتصفح فيها، فأومأ مراد وقال: كأنك ستقرأيها الآن؟! لا بل اقرئيها وقت عدم وجودي بالبيت.

ثم أشار للمكتبة التي بجوارها وقال: إن كنت تحبين القراءة فيمكنك قراءة المزيد من الكتب والروايات، بالطبع ليست كلها من أعمالي الكتابية.

ثم نهض واقفًا واقترب منها ممسكًا بيدها وهو يقول: هيا معي لأريكِ كيف يمكن لك التسلية في هذا البيت، بدايةً وقد شاهدتي غرفة المكتب وهذه المكتبة لكن أكرر إقرئي في عدم وجودي.

فأومأت روح ثم قالت: لكن هل لي أن أدخل لغرفة مكتبك؟!

فابتسم مراد بعذوبية ثم قال: هذا بيتك ومملكتك وأنتِ الملكة هنا و لك حق الدخول في أي مكان كما تشائين.

ثم جذبها من يدها بلطف وخرج بها من غرفة المكتب وسار للخارج مر على مكان السفرة ثم الجانب الآخر وفيه الصالونات فوقفت تتأمل بعض التحف الموضوعة والتابلوهات المعلقة على الحائط وكان أحدهم يبدو قديمًا وكان عبارة عن لوحة كببرة من (الكنافاه).

فقال مراد مشيرًا إليهم: معذرة! أعلم أنه يبدو قديمًا، لكن يمكنني أن أغير أي شيء في البيت إلا هذا فهو تذكار من والدتي رحمها الله فهي من صنعته بيدها ولن أبدله أو أغيره إطلاقًا.

أومأت روح برأسها أن لا وهي تقول: لا بل أعجبني بحق! أنا أشاهده من كثرة إعجابي به ، كنت قديمًا أصنع لوحات من الكانفاه لكن كانت صغيرة الحجم…
ثم أكملت ببسمة تلقائية: حتى إني كنت في بعض الوقت أصنع لصديقاتي وأهاديهن بها في أعياد ميلادهن وأيضًا أجيد شغل التريكو والكروشيه.

فابتسم وقال: إذن أُمنّي نفسي برابطة عنق صوفية من يديكِ؟

فتابعت بخفة: رابطة عنق فقط!

– أنا راضٍ بأي شيء من صنع يديكِ، صحيح إن أردتي تبديل أي شيء في البيت أخبريني وطلبك مطاع فورًا، أعذريني فقد حدث كل شيء بسرعة ولم أفعل أي تغييرات أو تجديدات.

– ولماذا؟! هذا إسراف! أقصد أن كل شيء حقًا أكثر من رائع يشبه التحف الفنية ولا حاجة لتبديله.

كان مراد يتابع تفاصيل وجهها وهي تتحدث وقد شرد فيها بعض الوقت ثم انتبه لحاله فجأة وجذب يدها ليكملا مشاهدة باقي البيت.

سارا بضع خطوات وكانت غرفة ففتحها وهو يقول: هذا هو مكان الرياضة إن كنتِ ترغبين باللياقة والرشاقة وما إلى ذلك، وهناك أغاني عديدة يمكنك إدارتها لتسمعينها وأنت تتريضين.

فزمت حاجبيها وتسآلت: ماذا؟!

فضحك بشدة وقال: وأنتِ تمارسين الرياضة، معذرةً فقد ظهر طابع التأليف فجأة، لا تشغلين بالك بمثل هذه التعقيدات!

فضحكت بشدة وضحك على ضحكتها دون أن تنتبه لحالته ولا ماذا تفعل به! ثم خرج بها إلى الحديقة والتي كانت مشمسة ذلك الوقت.

تابع مراد مشيرًا بيده: هذا حمام سباحة كما ترِي.

أومأت روح قائلة: لا أجيد السباحة.

– أنا أجيد إن رغبتي في هذا يومًا، فسأعلمك.

ثم سارا قليلًا وهي تتأمل الحديقة حولها بانبهار ثم قالت: لماذا لا تزرعون وردًا و زهورًا؟!

– حقيقةً لست أنا من يزرع هنا، لكن إن أردتي أمرتهم بفعل ذلك وفورًا.

– يمكنني فعل هذا بنفسي فلدي البعض في البيت عندما أذهب لحامد ذات يوم آخذ بعض البراعم وأقوم بزراعتها، أو ربما يعطيني حامد تلك الزرعات لأني كنت من أزرعهم وأتولى أمر رعايتهم.

– يا لحسن حظهم! هل رأيت من قبل ورد يزرع وردًا؟!

فابتسمت دون تعليق بعد أن تخضبت وجنتيها ثم قالت: هل يمكن وضع بعض الكراسي هنا وتصبح جلسة في وسط الحديقة؟!

– يمكنك بالطبع! لكن ليس في الظهيرة فالشمس محرقة الآن.

– ويمكن أيضًا إحضار شواية والشوي هنا وعمل حفل شواء (باربكيو).

فالتفت إليها وقال: كل أحلامك مطاعة مولاتي كما تريدين.

فارتبكت والتفتت بعينيها عنه فرأت منضدة للبينج بونج فابتسمت وقال: هل تلعب البينج بونج؟

فأومأ برأسه أن نعم فقالت: وأنا أيضًا.

– إذن فلنا لقاء معًا لكن بعد الظهيرة.

فهزت برأسها أن موافقة ثم جذب يدها ودخلا إلى داخل الفيلا من جديد ثم صعدا إلى السلم الداخلي للفيلا والذي بمجرد أن صعدا على درجات السلم شعر بتوترها فحاول ألا يأبه لها حتى وصلا للطابق العلوي.

……………………………..

الفصل العشرون

صعدا السلم الداخلي للفيلا والذي بمجرد أن صعدا عدة درجات شعر بتوترها فحاول ألا يأبه ثم وصلا للطابق العلوي فوقف في منتصف المكان مشيرًا بيديه حوله قائلًا: هنا توجد الغرف، هذه غرفة زائدة من أجل الضيوف، وهذه الغرفة غرفتي وقد كانت غرفة والدي سابقًا ثم قمت بتجديدها، وهذه الغرفة التي بتِّ فيها بالأمس وقد كانت غرفتي في طفولتي، صحيح كيف كانت ليلتك؟ وهل أعجبتكِ؟

أومأت روح برضا: أجل! هي مريحة ولطيفة جدًا، لكن النوم كان متقطعًا بسبب تغيير المكان، سأعتاد عليها مع الوقت.

فقال: لكني لا أريدك أن تعتادي عليها، أقصد لدي في حمام غرفتي حمام بخار و (جاكوزي) إن أردتِ الإسترخاء سيعجبك بشدة وقتما تشائين بشرط أن تفتحي الشفاط لأن الدخان يكون كثيف جدًا.

ثم قال: وهنا كما ترِي مكان جلوس للمعيشة، وهناك أقراص مدمجة لأفلام عربية وأجنبية، قديمة وحديثة… ستجدي أذواق متعددة، كما يوجد أيضًا مجموعة من المسرحيات القديمة التي كنا نشاهدنا في صبانا مثل «العيال كبرت» و «شاهد ماشافش حاجة» وغيرها….. ومن حين لآخر أحضر مجموعة، إن أردتي شيئًا بعينه بلغيني فورًا.

فابتسمت روح وأهدرت: أشكرك .

فابتسم إليها وأطال نظره إليها متأملًا هذا الهدوء والرقة التي لا يعهدهما من قبل ثم فتح الستارة والتي أظهرت شرفة كبيرة تطل على حديقة الفيلا وقد أعجبت روح بها كثيرًا لكنها أيضًا كانت مشمسة.

ثم جلسا على الأريكة لكنها تفاجأت بمراد يجلس أرضًا ويفتح أحد أدراج المنضدة الكبيرة التي تتوسط المكان وأخرج منه ألعاب الشطرنج والطاولة ولعبة الورق و……
فكان يخرج كل لعبة وهي تضحك فيضحك على ضحكها ثم جلسا يلعبان بكل لعبة بعض الوقت.

مرت عدة أيام ومراد يتعامل معها برقة وهي أيضًا كانت تتعامل بهدوء و لطف ويمضيان وقتًا رائعًا بين التسلية واللعب أو الحديث في مختلف الأمور.

وقد تبدلت روح فاختفت روح المتشددة التي تثور وتحتد في الكلام لأتفه الأسباب وجاءت روح أخرى أكثر هدوءًا ولطفًا وفيها من خفة الظل والوجه البشوش وهءا بالنسبة لمراد إنجازًا كبيرًا.

وبدأ مراد يخرج لعمله فيفطران معاه صباحًا فقد اعتاد على الإفطار منذ أن وطأت قدميها منزله ولم لا وهي تصنع طعامه بيدها وتجلس هي معه تشاركه الأكل، كما اعتاد شكرها عقب كل وجبة تصنعها بيدها ويقبل يدها برقة شديدة وقبل أن يخرج يسلم عليها ويقبل جبهتها وكذلك عندما يعود، لكنه يود لو يضمها إليه في عناق طويل…. لكن لم يحن الوقت بعد، ويجلس معها يقص عليها يومه و يسألها كيف قضت يومها ويحكيان.

كانت روح ترى كل تلك التفاصيل البسيطة كحلم كم تمنت أن تعيشه وتتعامل بهذه الطريقة لكنها قد أجزمت أن تلك الطرق ليست إلا في الروايات والأفلام وما شابه ذلك لكنها بعيدة كل البعد عن أرض الواقع، لكنها صارت تعيشها في الحقيقة.

وذات يوم قد تأخر مراد وكان يخرج يوميًا ويعود مساءً ولا يتناول أي شيء طوال اليوم لأنه يعلم أن هناك من تنتظره وتعد له مالذ وطاب.

قلقت ذلك اليوم للغاية فقد تأخر عن موعده كثيرًا وشعرت وكأنها بدأت تنهار ولاتدري ماذا تفعل، وأخيرًا قد وصل و وحدها تنتظره فأسرعت نحوه فوجم مراد لا يصدق نفسه ثم توقفت فجأة وكأنها تراجعت عن فكرة التعلق بعنقه والعناق الشديد لكنه قرأ برماديتها القلق الرهيب.

فتسآلت بلهفة وقلق: لماذا تأخرت هكذا؟!

فأجاب بهدوء غير ملائم لقلقها: كأنك كنتِ قلقةٌ مثلاً!

فنظرت له وبدأت تستشيط غضبًا فلحقها مسرعًا: أقصد إن كنتِ قلقة عليّ فلماذا لم تتصلي بي؟ فأنتِ لم تتصلي بي قط!

فقالت بتردد: هه! ربما إذا اتصلت بك شعرت بضيق أو وصفتني بذبابة زنانة تتلزق بسخافة…. أقصد….

كان مراد يتابعها بعيونه ويفهم سر ارتباكها هذا وترددها فاقترب منها وأمسك بيديها وقبل جبهتها بعمق عاشق كاد يذهب بها مع رائحة عطره المهلكة تلك وكأنما فقدت وعيها للحظات ثم ابتعد عنها قليلًا لكنه لازال قريبًا منها وممسكًا بيديها وقال: أشعر بضيق! هل هناك عاقلًا تكون معه مثلك تحدثه وتسأل عنه ويشعر بضيق؟! رغم أنه لا توجد من هي مثلك لكن مؤكد هو غير طبيعي.

أطالت النظر إليه ثم قالت: هل أنت هكذا فعلًا؟!

فابتسم مراد بعدم فهم وتسآل: ماذا تقصدين؟

– طوال الوقت تتعامل برقة ولطف!

– لن أجيبك بل سأترك الأيام هي التي تجيبك.. ألم تريدين معرفة ماذا أحضرت لكِ؟!

فنظرت روح لتلك الحقيبة الكبيرة التي لم تنتبه إليها إلا توًا لكنها كانت حاملة للملابس ربما بداخلها بدلة أو شيئاً آخر.

فقال: غدًا أول حلقة لنا معًا في برنامج المسابقات بعد زواجنا وأردت أن نظهر بمظهرٍ خاص في أول لقاء خاصةً مع وجود الجمهور، هذا فستان لكِ أتمنى أن ينال إعجابك.

فابتسمت وهمت بفعل بشيء لكنها تراجعت في آخر وقت لكن مراد قد فهم وابتسم فمسح على شعرها برفق وقبل جبهتها وهو يقول: مباركٌ لكِ.

فأجابت بامتنان وسعادة: شكرًا، ربي لا يحرمني منك أبدًا!

– ولا منك، وفي الغد ستجئ إليكِ خبيرة التجميل لتفعل لكِ كل ما ترديه، صحيح هناك حذاء مناسب للفستان واطمئني مريحٌ للغاية فلا حاجة لصراخ ولا عويل أو لا بكاء.

وغمز لها كأنه يذكرها بلقاءهما الأول فضحكت بحرج وقالت: والله لم تحدث إلا ذلك اليوم فقط! دائمًا أرتدي الأحذية ذات الكعب العالي دون أي مشاكل.

– إذن هو حظي!

– رغم إني كنت أنوي أن أستأذن منك للذهاب إلى حامد فهو بمفرده ويحتاج من وقت لآخر لمن يذهب يرتب المنزل ويعد له عدة وجبات.

– إذن فلنجعل ذلك بعد غد، وخذي إحدى الخادمات معكِ لا أريدك تجهدين نفسك في تنظيف أو خلافه يكفيكي صنع الطعام كما تصنعيه هنا، وسوف أجئ وأتناول معكما الغداء.

روح بسعادة بالغة: فعلًا!

مراد: أجل! هل نسيتِ أنكِ الملكة المتوجة وكل ما عليكِ أن تشيري وكل شيء يُنفذ، لا أريد إرهاقك.

– أقصد، هل ترغب فعلًا بالمجئ وتناول الغداء معنا؟!

– بالطبع! أليس هذا هو المعتاد؟! ثم أن أخاكي هذا صديق لي، هل نسيتِ؟! ثم إني لم أعد أطيق الطعام إلا من يديكِ.

فابتسمت ثم ذهبت لتعد العشاء.

وفي اليوم التالي مساءً وقف مراد بالأسفل يرتدي حُلةً سوداء وقميص أسود وهيئته أنيقةٌ للغاية يشبه نجوم السينما وينطر في ساعته من حين لآخر.

وبعد قليل سمع صوت باب الغرفة ثم صوت خطوات كعب نسائية تعلن عن هبوط ملكة متوجة فاقترب من السلم وهو يعدل حاله ويميح علي شعره برقة، فهبطت روح في أبهى طلة رآها عليها تجمع شعرها لأعلى في فورمة شعر رائعة مرتدية فستانًا أبيضًا هادئًا عاريًا قليلًا من الكتفين وله أكمام مفرغة ثم يبدأ باتساع من الخصر إلى أسفل الركبتين وعلى خصرها حزام مرصع بفصوص فضية وموضوع منها حول عنق الفستان وباقي الفستان بسيط مع حذاء أبيض به بعض الفصوص الفضية أيضًا وذا كعب عالٍ .

كانت تهبط بجوارها المربية عزيزة سعيدة بها للغاية، وقف مراد يتطلع إليها في نظرة طويلة بإعجابٍ شديد بكل تفصيلة فيها بينما روح تبتسم بإحراج من نظراته تلك، تنهد مراد بعشق ثم أهدر: ترى ماذا أقول!

تابعت المربية بإعجاب: ماشاء الله تبارك الرحمن! هي بدرٌ مضئ، ربي يحفظها ويبارك لكما عزيزايّ!

فعانقتها روح بحب، فقالت المربية بمكر: هذا العناق المفترض ألا يكون لي.

فابتسمت روح بلا رد وهبطت ماتبقى من درجات السلم حتى اقتربت منه فوضع يده في جيبه وأخرج علبةً صغيرةً وفتحها وأخرج منها خاتم الزواج (دبلة) وألبسها لها ثم خاتم و ألبسه لها أيضًا وقبل يدها ثم أعطي إليها خاتم الزواج الفضي (دبلته) فألبستها له فاقترب منها وقبّل جبهتها قبلة طويلة يبث فبها حبه وأشواقه الدفينة نحوها.

ثم أمسك بيدها وتأبطها ولا يزال يشبك أصابعه بأصابعها.

وصل مراد وروح لمكان تصوير البرنامج بينما كانت روح تشعر كأنما ذاهبة لسهرة وليس لبرنامج فهي لم تعتاد على هذه الهيئة فكانت محرجة وتخشى الدخول من الكواليس وقد شعر مراد بتوترها هذا فأمسك بيدها مع نظرته لها ليطمأنها.

دخل الاثنان أمام الجمهور بأيدٍ متشابكة فوقف الجميع وصفق وعندما وصلا لمنتصف المسرح تساقطت عليهما من أعلى ورودًا حمراء وقصاصات لامعة فضية فنظرت روح حولها بسعادة كبيرة ولازال الجميع يصفق ثم التفتت إليه وقد أدركت أنها فكرته فابتسمت وقبل أن تتحرك شفتيها بحرف خففت الأضواء فجأة وأدارت أغنية لم تدركها في البداية فمد مراد يده بطريقة مسرحية يطلبها للرقص فمدت يدها إليه فجذبها نحوه برقة ولف بذراعه على خصرها وقربها أكثر ثم شبك يده بيدها و وضعها على قلبه واقترب أكثر و وضع خده على خدها متنفسًا عطرها شاعرًا بخفقان قلبها هذا، فلم يقتربا هكذا من قبل لهذه الدرجة وبدءا يتراقصان في انسجامٍ رائع كانت كالمغيبة لا تتحرك بإرادتها بل هو من يحركها لقد ذابت بين يديه وأغمضت عينيها مستنشقة عطره هي الأخرى شاعرة بكل دقة من قلبه وكأنها تناديها.

وهكذا أُعلن للجميع أن هذان الإثنان قد سقطا في عشق عميق…….

أنا مش مصدق نفسي إنك بين إيديا
من يوم ما حبك خدني مش بتنام عيني
جوايا شوق أد الحنان اللي في عينيكِ
روحي فيكِ نظرة ليكِ هي الحياة

…………………………………

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة الان