رواية ” أنا وجيرانى ” الفصل الأول للأديبة ” نهال عبد الواحد

 لدينا مثل مصري يقول: « هَمّ يبّكي  و هَمّ يضحّك»، وهو يتماشى مع المقولة القائلة:« شر البلية مع يُضحك ».

البيت دائمًا مكان الراحة لكن ماذا لو انقلب الوضع وصار البيت مكانًا للقلق وقلة الراحة؟!

أُدعى منة في العشرين من عمري أملك عينين زرقاوتين، بشرة خمرية، شعر أسود طويل، قوامي معتدل، مهلًا يافتاة!  هو ليس إعلانًا للزواج!

حسنًا! أنا قصيرة القامة، بل وقصيرة جدًا، طولي لا يتجاوز المائة وخمسين سنتيمترات، أجد مقاس حذائي بصعوبة في قسم الآنسات…

لكن لا يهمني، تكفيني ثقتي بنفسي حتى ولو أطلقوا علي خلة الأسنان!

أعيش مع عائلتي، والديّ وأخي الأكبر، لازلت طالبة في الجامعة أدرس التربية الموسيقية، كم أعشق دراستي بل وأجتهد وأطور من نفسي دائمًا.

فأنا في الأساس عاشقة للموسيقى العربية، أعشق الطرب الأصيل وقد زادتني دراستي وبحثي المستمر في هذا المجال من تعلقي بالموسيقى والطرب.

يقولون عني أن لدي صوتٌ عذب في الغناء كما أني اجتهدت أكثر، تفوقت في كتابة وقراءة النوتات الموسيقية، سأكون يومًا ما خليفة لعبد الوهاب، تراني أبالغ! أعتذر يا جدي!

لكن لمزيد من الإبداع جوار الدراسة والإجتهاد، أحتاج لهدوء، والله أريد الهدوء!

أعتذر من غرابة الكلمة! فالهدوء كلمة غير موجودة بقاموس حياتنا بمعنى أدق غير موجود ببيتنا.

يسكن فوقنا الأستاذ سعيد وأسرته، تلك الأسرة بأكملها تتفنن في الإيذاء و الإزعاج بشكل لا يُصدقه بشر وبشكل تلقائي وقمة اللامبالاة، ربما لو وُجدت جائزة نوبل في إيذاء الجار لفاز بها الأستاذ سعيد وأسرته.

أعتذر مجددًا بدأت أهلوس!

في الحقيقة كل يوم تستطيع أن تضبط الساعة بالدقيقة والثانية في السابعة تمامًا من كل صباح تنشب مشاجرة يومية بين جميع أفراد أسرة الأستاذ سعيد، الرجل و زوجته، أبناءهما يتشاجرون جميعًا كل يوم، شتاءً، صيفًا، حتى في رمضان، الأعياد، العُطَل الرسمية أو…….

لا يمكن أن يمر يوم بدون هذه المشاجرة الصباحية والتي تستمر من ثلاثين إلى خمسٍ وأربعين دقيقة، وكأنها عادات أسرية مقدسة!  يكون النوم قد طار و ذهب بلا عودة وعليّ أن أمتلك عصًا سحرية أو مصباح علاء الدين لأعود للنوم من جديد!

أحيانًا أراها درجة من درجات الإبداع، أن يمتلك أحدهم القدرة على خلق المشاكل بشكل متجدد ومختلف!
أعتذر لن أقرأ كتب فلسفية مرة أخرى.

حقيقةً يدفعني فضولي أحيانًا للإستماع لسبب المشاجرة، هم أسرة حياتها كتابًا مفتوحًا، لا يحبون أبدًا إخفاء أي تفصيلة من حياتهم عنا أو عن أي فرد من أفراد المنطقة.

فأستمع لزوجته وهي تسخر منه، وتلعن ذلك اليوم وتلك الفرصة التي اضطرتها للقاءه وقبوله زوجًا لها، وأنا أحيانًا أوافقها، لكن عندما أتعرف على بعض أفعالها أتراجع…

هي كثيرًا ما تذكر أنها من صنعته وفعلت من أجله كذا وكذا و….  فيرد عليها بألفاظٍ نابية، وهذا الإبن يريد لُعبة جديدة أو……
أما إبنتهما فتريد هاتفًا جديدًا أو……..

وأنا كمنة عليّ أن أنظر لجانب الكوب الممتليء، فأنا لا أنكر تسليتي بعض الأحيان بتلك القصص الصباحية،  والأهم أنهم يتسببون في إيقاظي للذهاب لجامعتي أفضل من أي منبه أقوم بإطفاءه و أُكمل نومي، لكن عندما يكون لديّ دوامًا متأخرًا أود لو أفتح نافذتي وأصرخ فيهم، لكن غالبًا أتراجع لأني سأستمع حتمًا لقصائد من الألفاظ النابية لا أقوى على الرد عليها!

تمر الأيام دون الإنتهاء عن تلك المشاجرة الصباحية يومًا، أتسآل نفسي ألا يمرض أحدهم يومًا حتى ولو شعور بألمٍ في الرأس!

يقترب شهر رمضان المبارك وكل عام ونحن جميعًا بخير، وحسب ما عهدنا عليه أمهاتنا وجداتنا أن لا يمكن نهائيًا إستقبال شهر رمضان إلا بعد حملة تنظيف قوية نكاد خلالها نخلع الحيطان، نغسلها ونعيد تركيبها.

فكل شيء يُغسل في البيت الحيطان والأرضيات و الفرش و السجاد و كل شيء، مهما قلت لأمي أن البيت لا يستحق كل هذا، لقد كبرت أنا وأخي على إحداث الفوضى والإتساخات، لكن الأسطورة تقول لا يمكن! بالإضافة لحصولي على ضربة جوية من سلاح أمي، نعلها!

وبعد الإنتهاء بحمد الله نبدأ في فرش البيت بالضبط وإعادة تعليق الستائر يوم الرؤيا وفضيلة المفتي يتحدث عن ثبوت الهلال أو لا في شاشات التلفاز.

بمجرد أن ننتهي من معركة تنظيف البيت نبدأ في معركة تنظيف أخرى، أول إفطار في شهر رمضان تجتمع في بيتنا جميع أعمامي وعماتي فأبي هو أكبر إخوانه.

وهناك أسطورة أخرى تقول أن أول إفطار يجب أن يرأسه ديك رومي عملاق و يجب أن أنكب عليه أنا وأمي حتى موعد السحور للإنتهاء من تنظيفه.

وننهض في الصباح الباكر لنعد لتلك الوليمة العظيمة  غير العصائر والحلويات، ويجيء الجميع و نتناول فطورنا.

حقيقةً ذلك اللقاء رغم إنهاكنا يكون لقاءً رائعًا و ممتعًا، لكنه يخلّف عدد لا نهائي من الأطباق والأواني، ولأني الأصغر سنًا فلا يمكن أن أجلس مستريحة وغيري يقوم بجليها!

ينتهي اليوم سريعًا فنقوم بتقسيم باقي الطعام لوجبات فبعد يوم منهك كهذا نستريح عدة أيام.

بعد مغادرة الجميع تتجه أمي إلى حجرتها لتنام، حقها لم أعترض، لكنها طلبت مني جمع الغسيل والملابس الموجودة بالشرفة قبل أن أنام قليلًا أنا الأخرى، فأنا الأخرى منهكة.

ويا ليتني ما فتحت الشرفة!
ما أن خرجت حتى وجدت كيسًا عملاقًا من القمامة تم إلقاءه في شرفتنا وفوق الملابس، انتشرت شظاياه فوق السور، الحائط وفي كل شبر في الشرفة.

بكيت بشدة من شدة الإشمئزاز والتعب معًا؛ فالرائحة مقززة بمعنى الكلمة، ومهما ناديت على أمي بمليء صوتي لا تجيب ولا أحد يجيب كأني صرت في صحراءٍ فجأة.

تُرى هل نامت أمي وغطت في نومتها بهذه السرعة؟!أم هو تأكيد لمصيري أن أقوم بتنظيف هذه القذارة النتنة وإعادة غسل الغسيل من جديد!

فلم أجد بدًا إلا أن أفعلها، ارتديت قفازين طبيين فوق بعضهما، ثم ارتديت كمامة وبدأت في رحلة العذاب، رحلة التنظيف!

أود أن أصيح فيهم، أود أن ألعنهم وأُشبعهم سُبابًا وشتمًا بكل لفظٍ دنيء، لكني أدرك أني لن أستطع مجارتهم في الشتائم إن رد عليّ أحدهم.

لنا رب اسمه الكريم، تولني يارب وأعني!

وبعد وقتٍ طويل أخيرًا انتهيت من تنظيف الشرفة والملابس ثم وضعتهم في الغسالة، دخلت لأتحمم ورغم هذه القفازات إلا أني كنت أسكب الديتول فوق يدي لأطهرهما.

عليّ أن أُسرع بإعداد السحور فلم يتبقى إلا نصف ساعة على أذان الفجر، حسبي الله ونعم الوكيل!

إنه وقت مستجاب الدعاء تُرى يمكن لي أن أدعو على هذه الأسرة البغيضة، لكن مع كل أسف هو أمر مكروه، سأصمت رغم أنفي.

تمر أيام الشهر الفضيل ما أسرعها وما أجملها!
وتجيء تنظيفة أخرى من أجل العيد، يا أمي البيت لا زال نظيفًا لقد نظفناه رأسًا على عقب قبيل شهر رمضان غير المسح اليومي الذي لا يُعجب أمي ولا أدري أين تضع أصابعها وتخرج بأتربة؟!

إنها الأتربة الملعونة غير المرئية و التي لا تظهر إلا على أصابع أمي، فتبدأ بتوبيخي وتصويب سيل من الإتهامات لي وأني مستهترة وعليّ إتقان عملي، ولا بأس من قذفها لسلاحها الجوي الذي لا يخطيء الهدف!

ننتهي من تنظيفة العيد عقب الإنتهاء من صنع بسكويت وكعك العيد بكميات كبيرة، فحلوياتنا مميزة وأمي تحب توزيع من هذه الحلويات على جيراننا.

و لا شيء في ذلك، وإن كان هناك أناس بعينهم لا يستحقون هذا، المشكلة فيمن يُرسلون لنا من صنع أيديهم، أجل هي زوجة الأستاذ سعيد، كم أود أن أقول لها لا نريد كعككم ولا حلواكم فقط نريد معاملة جار آدمية بالإضافة أننا لا نقوى على تذوق أيٍ مما ترسله.

وتجيء ليلة العيد، ما أحلاها وما أسعدها!
بعد الإنتهاء من كل الإعدادات نجلس منسجمين نتسامر، لا ننام في هذه الليلة حتى نذهب لصلاة العيد ونجيء لنتناول فطورنا ثم ننام.

وبينما نحن جالسون في إنسجام إذ فجأة شيئًا قويًا مفزعًا، صوت سقوط و إرتطام مفزع وهزة قوية أثر اصطدام شيئًا ما بالحائط من الخارج.

يا إلهي!

هل البيت ينهار أم هل هناك زلزال؟! وتأثرًا بفيلم وثائقي شاهدته مؤخرًا، ظننت أن هتلر عاد من موته وقام بقصف الأسكندرية!

عليّ أن أُسكت هذا اللسان وإلا سيقذفني أبي من الشرفة محدثة ارتطام أكثر قوة!

كرد فعل تلقائي تحركنا نحو النوافذ والشرفة لنرى ماذا يجري بالخارج! وتفاجئنا بما رأيناه!

……………انتظرونا مع الفصل الثانى

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة الان