رواية ” الجدة آن ” للكاتبة نهال عبد الواحد

الفصل الأول

ماذا لو أسعدك الحظ وقابلت شخصية مهمة قد غيرت مجرى حياتك؟

من تركيا من مدينة بورصة استيقظت الجدة آن سعيدة و متهللة أساريرها، فاليوم تبدأ العطلة و سيجيئها أحفادها؛ لقد اشتاقت إليهم كثيرًا.

عليها إعداد بعض الحلوى الشهية وتلك الفطائر التي تجيد صنعها منذ صباها و إعداد استقبال باهر، فرغم تقدم عمرها لازالت تتمتع بصحة جيدة، بالإضافة لمحافظتها على جسدها من البدانة ساعدها على خفة التحرك.

أعدت الجدة البيت وكان متواضعًا، أعدت الحلوى والفطائر، أيضًا بعض الألعاب والحكايات، يجب أن تستغل هذه العطلة مع أحفادها ولا تضيع الوقت….

– أتمنى أن تكون عطلة ممتعة!
هكذا قالت تحدث نفسها.

واقترب موعد الوصول وهي منتظرة على أحر من الجمر، بدأت تسمع أصواتًا تقترب، ثم طرقًا على الباب، لقد وصلوا!

فتحت الباب بفرحة غامرة واحتضنت الصغار: لارا، خديجة، عيسى! اشتقتُ إليكم جميعًا، هيا هيا يا صغاري لقد أعددتُ كل شيء.

صاح عيسى: والفطائر الشهية جدتي!

أومأت الجدة: أجل، ألا تشم رائحتها الذكية؟!

تابعت خديجة: هل صنعتِ لي دمية مثل المرة السابقة؟

أومأت الجدة بسعادة: أجل صغيرتي، و أحلى دمية، وأيضًا شالًا صوفيًا ليدفئك في البرد القارس.

صاحت لارا: وأنا جدتي!

أجابت الجدة ضاحكة: لقد صنعت لكل منكما شالًا جميلًا، ألوانه زاهية وجوارب و قفازات.

قالتها محدثة الطفلتين، فصاح عيسى معترضًا: وأنا جدتي! ليس لي نصيب!

ضحكت الجدة و ربتت عليه قائلة بلطف: حبيب جدتك، صنعت لك معطفًا رائعًا وجوارب وقفازات أيضًا.

صاح الأطفال معًا في صوتٍ واحد: شكرًا جدتي!

جلس الجميع يضحكون، يمزحون ويأكلون من الحلوى والفطائر، وبعد مرور بعض الوقت، تحدث عيسى: جدتي، لقد قلتِ لنا في المرة السابقة أنك ستحكين لنا حكاية ليست كأي حكاية.

أومأت لارا معقبة: أجل جدتي، أحب الإستماع لحكاياتك كثيرًا، و أشتاق إليها.

تابعت خديجة: أجل جدتي، هيا إحكي لنا.

اتسعت ابتسامة الجدة قائلة: حسنًا….

ذات يوم منذ زمنٍ بعيد كان هناك طفلة تعيش مع أخيها في كوخٍ صغير.

سألتها خديجة: ما إسمها؟

أجابت الجدة: إسمها آن و أخيها عيسى.

ضحك عيسى وقال بمكر: هذا أنتِ جدتي.

ضحكت الجدة قائلة: أجل، أنا وأخي -رحمة الله عليه-.

كنا نعيش في كوخ صغير، بالقرب من البحر، كنا آنذاك نعيش في البوسفور، كان والداي قد رحلا ونحن صغارًا، فكان أخي يعمل صيادًا، وأنا أصنع تلك الفطائر وأذهب للسوق أبتاعها.

كنا سعداء حقًا رغم قلة ذي اليد و بساطة العيش، وكنت أحيانًا أذهب للتنزه بين الأشجار و ألعب مع العصافير.

كنت أحضر معي بعض من فتات الخبز وأضع القليل منه على كفيّ الصغيرتين فيجئ إليّ الطيور من كل حدبٍ وصوب فيقفون على يديّ ويأكلون الفتات، وكلما طاروا وحلقوا، عادوا إليّ من جديد..

كم كنت أستمتع بذلك كثيرًا!

وذات يوم بينما أنا ألعب وألهو مع الطيور إذ بصوت إطلاق ثم وجدتُ طائرًا صغيرًا قد سقط أمامي جريحًا، حزنتُ كثيرًا من أجله، وأسرعتُ نحوه ربما أنجح في إنقاذه…..

كنت أتمتم في نفسي:
– اللعنة! اللعنة!

لكن يبدوا أن صوتي كان مسموعًا!
فجأة وجدت حولي بضع من الحراس أو الجنود لا أدري، كانوا يلتفون حولي كأني إقترفت ذنبًا جم، كنت بداخلي أرتعد خوفًا، خاصةً عندما رأيت ذلك النبيل الذي يمتطي جواده برفقة صديقه الذي يبدو عليه مولعًا بالصيد.

أمسك بي الجنود لا أدري لماذا! كنت أصرخ من بينهم
– اتركوني اتركوني! اللعنة عليكم جميعًا
فدفعني أحدهم أرضًا فقد آلمتني بشدة وصاح في باقتضاب:
– صه! وإلا ضربتُ عنقك، تريدين اللعنة علينا! ألا تعلمي من يكون! إنه السلطان سليمان أيتها الحمقاء!

إزداد خوفي وارتعابي فقلت لنفسي:
– هلكتُ و رب السماء!

لكني أصررتُ أن أبدو متماسكة وثابتة فاخفضت رأسي و قلت بهدوء:
عفوًا سيدي، لم أكن لأعلم من يكون، لكني تألمت لجرح ذلك الفرخ الصغير، ماذا أجرم لتصيبوه هكذا؟
لماذا يحب النبلاء اللعب بحياة الكائنات من أجل التسلية؟
إن أحببت الصيد فاذهب واصطَدْ شيئًا للأكل وليس لقضاء الوقت والتمتع فحسب، ثم تترك فراخًا صغيرة تنزف حتى الموت.

فدفعني الجندي مرة أخرى أرضًا وصاح بصوت أجش: أنتِ من ستنزفين حتى الموت، هلا أمرني مولاي السلطان لأقطع عنقك؟ فأنتِ لم تُحسني الحديث أبدًا معه أيتها الوغدة!

تلك المرة قد آلمتني الدفعة بشدة و جرحت في يدي من أثر الوقعة فبكيت بشدة، بكيت وجعًا وخوفًا.

لكن إذا بصوت ينادي:
– يكفي هذا! اتركها!

ولم أرفع رأسي، فقد كنت لازلت أبكي وانتحب، فلم أشعر إلا بمن يربت على كتفي فانتفضت فزعة.
فقال بصوتٍ حنون:
لا تخشي صغيرتي! إهدئي.

فرفعت نظري نحوه، إنه السلطان! فانتفضت و وقفت وانحنيت أؤدي التحية.

– معذرةً مولاي السلطان! رجاءً إلتمس لي العذر، فأنا لم أعرفك حقًا.

أجاب السلطان بهدوء:
– لا بأس.

ثم أشار بيده لخادمه فجاء بصندوق، فضمد جرح يدي بنفسه، ثم أخذ مني الفرخ الصغير وضمد جراحه.

ثم قال برفق:
– لستِ وحدك الرفيقة بالكائنات، فأنا عاشقًا لها ولا أؤذيها أبدًا، إنما هي فعلة صديقٌ لي، ولن يكررها بعد الآن.

فأجبتُ بامتنان:
– شكرًا لك مولاي السلطان.

جلس بجانبي السلطان وسألني:
– ما حكايتك؟

سكتُ قليلًا فلم أتوقع السؤال، رفعت طرف عيني فوجدته منتبهًا ومنصتًا ينتظرني لأحكي، فبدأت وقصصتُ عليه حكايتي الصغيرة.

وسألني عن أخي وعمره، وكان أخي وقتها شابًا لم يتجاوز العشرين، فهو ليس أخي فحسب بل كان أبي نظرًا لفارق السن بيننا.

كان أخي يتمنى أن يصير جنديًا ويجاهد ويذهب مع جيش السلطان في فتوحاته العظيمة، خاصةً وأنه كان مفتول العضلات وقوي البنية…
لكن كيف له ذلك؟
فنحن من العامة و فقراء، كيف سيصل إليهم؟ ولمن سيتركني.
لكني ذكرتُ رغبة أخي للسلطان في أطراف الحديث، فإذا به يخبرني أنه موافق لأن يضمه في جيشه، وذلك بعد أن يتلقّى التدريبات اللازمة في معسكر التدريبات.

قام السلطان وأمر أحد رجاله أن يعود بي لكوخي الصغير ثم يأتي في الغد ليأخذ أخي لمعسكر التدريب، سعدتُ كثيرًا رغم خوفي الذي لازال بداخلي، لكني شكرته على الرحب والسعة، لم أكن لأتصور مقدار لطفه وتواضعه رغم كونه سلطان.

وبالفعل عاد معي الحارس ثم أعطي لي كيس فيه فاكهة وعندما رفضتُ أخبرني أنها من السلطان وليس لي رفضها، انتظرتُ أخي حتى جاء قبيل مغرب الشمس وأخبرته بموعد الغد.

لم يتمالك أخي نفسه من السعادة، بل لم يصدق أن حلمه قد بدأ يتحقق.
وفي الصباح التالي جاء الجندي وأخذ أخي وذهبا، كنت أخشى على أخي بشدة؛ فهو آخر من أملك في تلك الحياة، خشيتُ أن يُقبض عليه أو يُلقي في السجن ، لكنه كان يعود كل المساء…….. 

الفصل الثانى

قالت خديجة: ومن يكون السلطان سليمان الذي تتحدثين عنه يا جدتي؟

ضيّق عيسى عينيه وأجابها: مؤكد أنه الحاكم .

أومأت الجدة: أجل هو الحاكم ،السلطان سليمان هو ابن السلطان سليم خان الأول، حكم البلاد لمدة طويلة (1520:1566) سميَ بسليمان القانوني وأهل الغرب سموه سليمان العظيم وقد كان عظيمًا حقًا، فهو فارس قوي خاض حروبًا و فتوحاتًا عظيمة وصلت إلى الشرق الأوسط، وفي شمال إفريقيا حتى الجزائر، وفي دول أوروبا إلى مملكة المجر، كما كان قاضيًا حكيمًا، وكان متواضعًا للغاية، وكان أيضًا محبًّا للحيوانات ورفيقًا بهم.

قالت لارا: مثلما فعل مع الفرخ الصغير!

ضحكت الجدة قائلة: أجل صغيرتي، فبعد يوم الصيد أمر بإنشاء بيوت للطيور لتقيها من البرد، وعندما كان يبني مسجد السليمانية وأمر بعدم زيادة الأحمال فوق ظهور الدواب.

تابع عيسى: مؤكد قد أعجبتكِ بيوت الطيور تلك يا جدتي!

أومأت الجدة: أجل، جدًا! فكنتُ ولازلتُ مولعة بالطيور.

قالت خديجة: أود أن ألعب مع الطيور في الحديقة جدتي.

فصاح عيسى ولارا معًا: لا بعد نهاية الحكاية!

فضحكت الجدة ثم قالت: كان عيسى أخي يذهب كل صباح إلى المعسكر و يعود مساءً، كان سعيدًا للغاية رغم قلقي عليه، وخوفي بشأن فراقه، كم ندمت أني من فاتحتُ السلطان في ذلك الأمر!

مرت أيام وأيام و لا جديد غير أنه صار لأخي راتبًا فلم أعد بحاجة للعمل، فصرت أذهب للسوق من أجل الشراء.

ولما صدرت الأوامر بموعد رحيل الجيش لفتح رودس بكيت بشدة، كنتُ أخشى أن أصير وحيدة، أخشى فراق أخي، ومن ثَم أصررتُ أن أذهب معه، ومهما قال لي أخي لم أتراجع فاضطر أن يصحبني.

وفي يوم السفر تفاجأ بي قادته في الجيش فأخبرهم أني أخته الصغيرة وليس لي من رفيقٍ ولا ونيس فكل الأهل قد رحلوا، ولما رفض، تحدثتُ أنا و طلبت مقابلة السلطان.

بالطبع سخر مني القائد فمن أكون لأقابل السلطان أو حتي أذكر إسمه بين شفتيّ! فأخبرته أني آن أخت عيسى و رفيقة الفرخ الجريح.

ورغم تذمر القائد و وضوح عدم فهمه إلا أنه اضطر للذهاب بي إلى السلطان فاستأذن فأذن لي بمقابلته.

دخلت تلك المرة بلا خوف لكني كنتُ أمشي على استحياء فانحنيتُ وألقيتُ التحية: السلام عليكم ورحمة الله، مولاي السلطان العظيم، أنا آن أخت عيسى و رفيقة الفرخ الجريح.

فرد عليّ بصوتٍ باسم؛ حيث كنتُ أنظر أرضًا، فقال:
أهلًا صغيرتي،  أذكرك طبعًا، هل رأيتِ بيوت الطيور التي أمرت بصنعها؟

أجبتُ: أجل مولاي، إنها رائعة حقًا! حفظك الله ونصرك على الأعداء!

تحدث السلطان: ما سر مجيئكِ إلى هنا يا ترى؟

ابتلعت ريقي بتوتر وأجبتُ:  يا مولاي، أيها السلطان العظيم! كما تعلم أن ليس لي سوى أخي، وهو الآن مسافر للجهاد، وأود لو….. لو…. لو ذهبتُ معه، أخشى المكوث بمفردي.

فأجابني السلطان بصوتٍ جديّ: لكن هذا أمرًا خطيرًا، إنها حرب وقتلى و دماء، لا وجود للأطفال.

سيطرت علي العَبرة وتحدثتُ بصوتٍ مختنق: أرجوك مولاي السلطان! أرجوك!

تنهّد السلطان على مضض ثم قال: حسنًا لكن انتبهي واحترسي، وسِيرِي كما نسير، ولا تتحدثي إلى أحدٍ مطلقًا، ولا إلى أخيكِ.

شعرتُ بعد مقالته هذه بشعور الغريق عندما يجد ما ينقذه، فأجبتُ ممتنة وأنا أمسح عينيّ بطرف كُمي: أجل، شكرًا لك يا مولاي.

انصرفتُ وسرتُ مع الجيش كما أمرني السلطان، ونفّذتُ كل ما قاله بالضبط.

تسآل عيسى: لكن ياجدتي إن كان السلطان سليمان القانوني عظيمًا كما تقولين فلماذا يذهب لقتال آخرين في بلادهم؟!

أجابت الجدة: الجنود في جزيرة رودس كانوا مدعومين بالكنيسة في روما وكانوا يهاجمون السفن الإسلامية و يقتلون المسلمين وينهبون أموالهم، حتى أنهم هاجموا سفينة للحجاج، فلما علم السلطان عزم على الخروج إليهم، ولما علم أمير الجزيرة ود لو دفع الجزية ليأمن بنفسه.

لكن السلطان قد انتبه إليه و رفض طلبه، دكّت المدفعية العثمانية جدار المدينة، و رفض رهبان الجزيرة تسليمها، فحفر العثمانيين سراديب كثيرة ليهاجموهم من تحت الأرض، وقد شاركتهم في الحفر.

ومع استمرار الحصار ونفاذ المؤونة و الذخيرة اضطر أهل الجزيرة للتسليم ودخل القائد السلطان منتصرًا، كنتُ سعيدة بذلك النصر المبين، بالطبع الإحساس هناك يختلف تمامًا عن السرد صغاري.

و رغم حِنقي من أهل رودس لِما اقترفوه في حق المسلمين والحجاج، إلا أني انبهرتُ بتلك المعابد والتماثيل الموجودة في كل مكان، كانت رائعة حقًا.

وبعد وصول الجيش و استراحته ذهبت ألتمس أخي، لكني لم أجده بدأتُ أشعر بقلقٍ و خوف يدب في أوصالي لدرجة تملكتني، وصرتُ أغدو في كل مكان بين الجنود وأسألهم عنه، لكنهم لم يعرفوه فزاد قلقي وخوفي، حتى رأيت أحدهم كان دائمًا بصحبة أخي لكنه ما أن رآني حتى تغير وجهه و اكفهرَّ، فارتعدت فرائسي وخشيتُ السؤال خشية سوء الإجابة، لكن على أية حال يجب أن أعرف، فسألته وأجابني، و ليته ما أجابني!

قضمت الجدة شفتيها محاولة تمالك نفسها، لكن التمعت عيناها بالدمع فأكملت سردها بصوتٍ مختنق: قد قُتل أخي! قتل عيسى! إنه بسببي! أنا من قرّبتُ له الطريق، وكأني قرّبتُ إليه طريق الموت.

فسقطت دمعة حارة من عينيّ الجدة مسحتها سريعًا واعتصرت ألمها وحبسته بداخلها، فما ذنب الصغار أن يروها هكذا؟

فتسآل عيسى: وماذا فعلتِ يا جدتي بعد ذلك؟

أجابت الجدة: عدتُ مع الجيش لأراضي الدولة العثمانية، ولمّا علم السلطان عزم على مجيئي والعمل كخادمة في القصر بدلًا من المكوث وحدي في الكوخ الصغير.

وذهبتُ بالفعل معه للقصر.

فصاحت لارا بسعادة: هل سكنتِ وعشتِ في قصر السلطان يا جدتي؟

أومأت الجدة: أجل، لقد عشتُ فيه أعوامًا عديدة.

فقالت خديجة: يا لحسن حظك يا جدتي!

أكملت الجدة: كنتُ أظن مثلك، بالفعل قد سعدتُ في البداية كثيرًا، لكن حياة القصور صعبة وقاسية للغاية ليست مبهجة كما تظنون، لكل شيءٍ قواعد وأنظمة صارمة، المأكل بنظام…… الملبس بنظام….. النوم بنظام….. ولم يتبقّى سوي التنفس بنظام!

أمثالنا من العامة من الصعب عليهم العيش تحت تلك الأنظمة المشددة، ذلك غير المكائد والضغائن، فلا أحد يحب أحد أو يحب الخير لأحد، كنت أدعو الله يوميًا أن ينجيني من تلك المكائد، خاصةً وأن السلطان كان يسأل عني من حين لآخر، كان يعاملني برفق معاملة الأب لابنته، بل كان أحيانًا يطلب مني صنع بعض الفطائر وأذهب بها إليه، كان حقًا متواضعًا و عطوفًا.

حتى كبرتُ و بلغتُ مبلغ النساء، فقد كنتُ جميلة في صباي، بل فاتنة الجمال.

صاحت لارا: يقولون أني أُشبهك يا جدتي، فلي نفس عينيكِ الملونة وهذا الشعر الفاتح والبشرة البيضاء.

فضحكت الجدة قائلة:  بل أنتِ الأجمل!

ثم نظرت لأختها خديجة و قالت باسمة:
أنتما تشبهان أمكما بشدة، وابنتي تشبهني حقًا إلى حدٍ كلير، و آمل أن تكونا فاتنتين في شبابكما.

فضحكت الطفلتان من قول الجدة………

 

الفصل الثالث والأخير

تسآلت خديجة: هل كان السلطان متزوجًا؟

أومأت الجدة: أجل، وكان محبًا لزوجته، عاشقًا متيّمًا بها.

وبعد مرور أعوام صرتُ لم أعد أطيق العيش في ذلك المكان، فزادت المكائد بي خاصةً وهو يرون جمالي، فطلبتُ لقاء السلطان ذات يوم، وكان أمرهم عندما أود مقابلته يؤذن لي، لكني كنتُ عزيزة النفس ولم أكثر من مقابلاتي له.

دخلتُ يومها الغرفة الملكية الفخمة وانحنيتُ لتحيته: السلام عليك مولاي السلطان العظيم.

أجابني السلطان بلطف: وعليكِ السلام يا رفيقة الفرخ الجريح.

فابتسمتُ متحدثة بلطف: هذا لطف منك مولاي السلطان.

فسألني: هل لكِ من شكوي أو طلب؟

فأجبتُ: العفو مولاي، لكن هو رجاء.

فتابع بود: تفضلي، وسلي ما شئتِ.

ترددتُ قليلًا ثم حسمتُ أمري وقلتُ: أود الرحيل والعودة إلى البوسفور، إلى كوخي الصغير.

فسألني بانزعاجٍ واضح في نبرة صوته: لماذا؟ هل أغضبك أحدهم؟ قولي و سترِي كيف يحل عليهم عقابي.

أجبتُ: العفو يا مولاي، لكن مثلي لم تخلق لحياة القصور، لم أعد أطيق هذه القواعد والقوانين، ولا ذلك الغل والحقد في كل من حولي، أشعر معهم بقرب أجلي، لو تأذن لي مولاي فقد نضجتُ بما يكفي أن أتولى شئون نفسي، أريد العودة لأعيش بين طيف أبواي و رائحة أخي.

فسألني: وإن رفضتُ طلبك!

أجبتُ وقد امتلأني الضيق: فلك السمع والطاعة مولاي.

سكت السلطان قليلًا ثم قال بصوتٍ باسم: إذن كما تريدين لكن سأرسل إليكِ براتبٍ شهري، و سأرسل معكِ من تتولى شؤونك وتشاطرك وحدك، ومن حينٍ لآخر كلما سنحت الفرصة سأرسل للاطمئنان عليكِ.

شعرتُ وقتها بشعور طيرٍ قد نال حريته وطار محلّقًا في القضاء، أجبته بسعادة بالغة و امتنان: شكرًا لك يا مولاي، أطال الله بعمرك وحفظك وحفظ أبناءك!

استأذنتُ متحركة للخلف حتى خرجتُ من حضرته وانطلقت مسرعة، فسيخرج العصفور من قفصه ويعود لحريته من جديد، فتبًّا لأي قفص حتى لو كان من ذهبٍ وكل نفيس.

وبالفعل جمعتُ أشيائي وعدتُ إلى كوخي الصغير بصحبة بعض الجنود و الجارية روزة، فهي الوحيدة من القصر التي نشأت بيننا صداقة.

عدتُ لكوخي وعشتُ بصحبة روزة، صحيح أنه مجرد كوخ بسيط لكن تكمن فيه السعادة الحقيقية، لم تكن روزة تعيش معي كخادمة، فلم أكن أحتاج لذلك، بل كنت أحتاج لونيس يؤنس وحدتي.

عشنا معًا صديقتين متشاركتين في كل شيء، ولازال رسول السلطان يأتي إلينا بالخير الوفير من حينٍ لآخر أطال الله بعمره!

وذات يوم إذ كنتُ أصنع فطائري فطرق  طارق، كان شابًّا جميلًا لكن ليس من تلك البلدة كما يبدو عليه، طلب بعض الماء لسقاءه فأعطيته ثم اشتم رائحة ذلك الفطير، فقدمت إليه منه، فأعجب بمذاقه وشكرني وغادر.

أتدرون من ذلك الشاب؟
إنه جدكم عمران!
لقد أُعجب وتُيّم بي وعشقني، وصار يجيئني كل يوم حتى أدمنتُ وجوده وعشقته أنا الأخرى، ثم طلب مني الزواج و وافقتُ وقبل موعد زيجتي بأيامٍ قليلة طرقنا طارق ففتحت، فإذا به…

إنه مولاي السلطان!

لكنه متنكرًا في زي العامة فقد كانت تلك عادته، أن يتنكر و يذهب لتفقّد الرعية وهو الآن جاء ليتفقّد أحوالي بمفاجأة كبيرة لم تخطر لي على بال أو يخطر ببال أحدهم، لقد قالها لكن كنتُ أظنه يقصد إرسال رجاله وليس مجيئه بذاته.

رحبنا به بشدة ودخل، وبالطبع كان مشتاقًا لفطائري الشهية فصنعت الكثير له..

لكن بينما كنا جلوسًا إذ أتى عمران ليتفقّد أحوالي فوجد ذلك الغريب، لقد ارتبكتُ بشدة وكدتُ أفقد وعيي لم أستطع قول الحقيقة وأخشى أن يفارقني حبيبي إذ ظن بي ظن السوء.

رحبتُ بعمران بخوفٍ ظاهر وقدمته أولًا للسلطان قائلة بصوتٍ مرتعش:  هذا عمران خطيبي وسنتزوج الخميس المقبل.

أجاب عمران بغيرة وغضب واضحَين: ومن يكون هذا إذن؟

سكتُ ولم أستطع الجواب، وقد أدرك السلطان الأمر فهب واقفًا نازعًا الشال من حول وجهه وقال بصرامة:
أنا السلطان سليمان القانوني ابن السلطان سليم خان الأول سلطان الدولة العثمانية.

اهتز عمران وصارت لا تحمله قدماه لدرجة كاد أن يغشى عليه وبعد مرور بعض الوقت تمالك نفسه وانحنى قائلًا: مولاي السلطان!

لكن التساؤلات تملأ عينيه فأمره السلطان بالجلوس وسرد عليه كل شئ من يوم الفرخ الجريح… وحتى ذلك اليوم.

تفاجأ عمران بما سمع وكأنه بدأ يتراجع في أمر خطبتنا ولا أدري ما علاقة هذا بذاك! لكن السلطان حسم الموقف وأخبره بأنه قادم يوم الخميس المقبل لحضور زواجنا.

غادرنا السلطان وتركنا في حيرة و مفاجأة.

وسرعان ما جاء يوم الخميس تزينتُ وتهيأتُ و أعددنا كل شيء، ولم يكن حفلًا صاخبًا بل كان متواضعًا وهادئًا فليس لدينا الكثير من المدعويين لحضوره.

جاء السلطان وبارك زيجتنا لكن قبل أن يغادر همس قليلًا لعمران ولم أعرف وقتها بما همس له لكني عرفتُ بعد ذلك.

فقد أخبره أن النساء تعشقن حلو الكلام، فإن أردتُ أن يديم حبكما أكثر من جميل القول.

وقد فعل كان جدكم يحبني حبًا جما ويسمعني أطيب الكلام و أحلاه، حتى إنه حفظ إحدى أشعار السلطان التي كان يقولها لزوجته فيقولها لي.

عرش محرابي الوحيد، ثروتي، حبي، وضياء قمري
يا أعز أصدقائي، كاتمة أسراري، وجودي، سلطانتي
وحبي الأول و الوحيد
يا أجمل الجميلات
يا ربيعي، حبي المَرِح، نهاري، قلبي، أوقاتي الضاحكة
يا حديقتي، زهرتي الحلوة، الوحيدة التي لا تحمّلني
همومًا في هذا العالم
يا اسطنبولي، قرماني، و أرض أناضولي
يا بادخشاني، وبغدادي، وخراساني
يا امرأتي ذات الشعر الجميل
وحبي للحاجب المعقوص
حبي للعيون الملآي بالغواية
سأنشد مدائحك دومًا
فأنا المحب ذو القلب الملوع
محبي ذو العيون الملآي بالدموع
حقًا سعيد يا حبيبتي و سلطانتي
أنتِ حياتي، كل العالم يتكلم عن جمال وجهك
وجمال عيونك و السحر الموجود داخلهما
طول عمرنا سنبقي سويًا هذا وعد مني

عشت مع جدكم أعوامًا طويلة، رُزقت بأطفالٍ كثيرين لكن تُوفوا صغارًا ولم تتبقي سوى أمكم وخالكم….. سليمان.

فتسآل عيسى: وماذا عن السلطان جدتي، ماذا حدث له؟

أجابت الجدة: مرض في آخر أيامه، ولقد حزنتُ من أجله كثيرًا رحمة الله عليه……
يوم وفاته أمر بكل فتاويه المكتوبة لتُدفن معه؛ لتكون حجة له عند ربه.

ابتسمت لارا قائلة: حكايتك جميلة حقًا جدتي.

تنهدت الجدة ثم قالت: لقد تأخرتم كثيرًا وعليكم النوم الآن.

فصاحت خديجة: وماذا في الغد يا جدة؟

ابتسمت الجدة مجيبة برفق: سنلعب ونمرح ونفعل الكثير ،طاب مساؤكم يا صغاري.

وذهبوا جميعًا للنوم.

تمت🌷

 

 

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة الان