رواية ” الجميلة و الدميم ” الفصول من الأول إلى الرابع للأديبة نهال عبد الواحد

الفصل الأول

قالوا إن الحب يبدأ من نظرة فابتسامة فموعد فلقاء، لكن لكل قاعدة شواذ، فلا قواعد في الحب ولا قواعد للنفس البشرية، فالحب لا يعرف آداب الإستئذان وقتما يقدر يدفع و يدخل القلب فجأة، ولو نظرت لأسباب وجوده فلن تجد سببًا مقنعًا.

عزاء كبير في فيلا بحي راقي، لم يكن المعزّون بالكثيرين فلم يكن هناك حاجة لقاعة مناسبات فالبيت يكفي للرجال والنساء، وعندما اقتربت الساعة من العاشرة بدأ يرحل المعزّون تدريجيًا حتى رحلوا جميعًا وصار البيت موحشًا.

ظلت جالسة مكانها والحزن الشديد يملأها، لقد صارت وحيدة بعد أن فقدت أبيها ومن قبله أمها ولم يعد غيرها يحيا في هذا الفراغ العملاق سوى مربيتها وإحدى الخادمات لكنها عادت لبيتها وستأتي في الصباح وحارس البيت (البواب).

بعد أن ازدحمت ذكريات الآونة الأخيرة في رأسها كيف مرض أبيها فجأة؟ وكيف كان في آخر أيامه؟ وها هو الآن قد لقى ربه وتركها وحيدة بلا أب ولا أم ولا أخوة فبكت بحرقة شديدة من جديد، فجاءتها مربيتها من جديد تربت عليها وتنصحها بحمامٍ دافئ لتتمكن من النوم، فقد كان يومًا طويلًا وعصيبًا.

و لم تجد بدًا إلا أن تجر قدميها وتصعد لغرفتها وتأخذ حمامها ثم خرجت وجلست أمام المرآة ناظرة لوجهها رائع الجمال رغم كونه منهكًا، جففت شعرها البني متوسط الطول، نظرت لعينيها العسليتين كم هي متورمة من كثرة البكاء وقد تحول ذلك البياض لاحمرار.

جففت شعرها وصففته ودخلت في فراشها، لم يمر كثيرًا من الوقت حتى سقطت في سبات عميق فقد أنهكها التعب حقًا.

وتعمدت مربيتها أن تتركها نائمة حتى تكتفي وتنهض وحدها، وبالفعل قد نامت حتى الظهيرة ونهضت من نومها وأمضت يومها وحيدة غارقة في أحزانها.

وبعد مرور عدة أيام نصحتها مربيتها بمعاودة عملها والذهاب للمصنع لينسيها العمل همومها، فقد كان أبيها يملك مصنع للملابس الجاهزة وقد بدأ يذيع صيته في الآونة الأخيرة.

خرجت مرتدية بدلة سوداء وتجمع شعرها لأعلى على هيئة ذيل حصان وذهبت نحو سيارتها لتقودها وبالفعل انطلقت بها وذهبت للمصنع.

أمضت يومها بالكامل في العمل فلم تتوقع أن تقوى على العمل ليوم كامل حتى إنه قد أشفقت عليها سكرتيرتها وصديقتها، لكن الإنغماس بالعمل يلهي الإنسان عن الكثير من الهموم .

انتهت من يوم طويل من العمل و ودت لو لم تعود للبيت فقد صار كئيبًا، لكن أحيانًا يتمنى الإنسان أمنية ويندم أن تمناها خاصةً إن تحققت فجأة.

ما أن خرجت وركبت السيارة وقبل أن تدوس بقدمها لتنطلق إذ بشخصٍ ما ملثمًا قد ركب جوارها فجأة وبخّ في وجهها شيئًا ما فخدّرها ثم زحزحها وجلس على كرسي القيادة وانطلق، كل هذا في ثوانٍ معدودة.

وبعد فترة من الزمن فتحت عينيها فإذا بها مقيدة وملقاة على الأرض و مكممة الفم، حاولت النهوض وهي خائفة وتتلفت حولها برعب وفزع ودموعها تنهمر أكثر وأكثر .

لم يكن المكان بالقذر بل يبدو كأنه حجرة لمخزن منزل حيث فيها بعض الأثاث القديم موضوع جانبًا، لكن ذلك مع الإضاءة الخافتة في حد ذاته يعطي إحساسًا مرعبًا مع توقعها لوجود فئران يجعلها تتلفت في زعر من حينٍ لآخر، لكن لم يخلو المكان بالطبع من الأتربة وقد ظهر ذلك في ملابسها السوداء.

وإذا بالباب يُفتح ودخل ذلك الملثّم وكان طويلًا وعريضًا دليل على ممارسة الرياضة، وله طريقة في السير مختلفة نوعًا ما حيث كان فيها بعضٍ من العرج، وفي يده كيس من الكتابة المكتوبة عليه ومن الرائحة يبدو أنه وجبة من مطعمٍ ما فألقى به بجوارها ثم اقترب للغاية فصارت ترى عينيه بوضوح لكنها لم تتبين لون عينيه من خفوت الضوء.

نزع ما يكمم به فمها فأظهرت التماسك ثم قالت بصوتٍ مضطرب من شدة الخوف وتقطعه شهقاتها من كثرة البكاء: من أنت؟ ماذا تريد؟

فقال بسخرية: مرحباً جميلة أحمد زين الدين!

فتسآلت جميلة بدهشة: كأنك تعرفني؟!

فقال بنفس الطريقة: أنا زين محمد زين الدين.

فصاحت متفاجأة: محمد زين الدين عمي؟!

فهز برأسه أن نعم ثم تابع بتهكم: كأنك تعرفين أن لكِ عمًّا؟!

فأجابت بتلقائية: بلي، قد حكى لي والدي رحمه الله عنه وأنه قد سافر للخارج ومعه أسرته الصغيرة، إذن أنت ابن عمي! إذن فلماذا؟!

فكرر آخر قولتها بدهشة يشوبها التهكم: لماذا؟!

فأكملت السؤال بنفس تلقائيتها: لماذا خطفتني؟ لماذا لم تأتوا عزاء والدي؟

فصاح بسخرية: والدك اللص؟

فصاحت بغضب محذرة: إياك أن تذكره بسوء! والدي ليس بسارق.

فتابع مؤكدًّا: لا بل سارق، سرق إرث أخيه وعليك الآن دفع الثمن، ستتنازلي عن نصف ما تملكين له حق لأبي وإلا لن تخرجي من هنا وستظلين أسيرتي طيلة عمرك.

فصاحت فيه بثقة: اسمع يا هذا! إن أبي ليس بسارق ولم يأخذ حق أخيه يومًا، عندما مات جدي وترك ذلك المصنع مجرد ورشة خياطة صغيرة وبعض الأموال اختار أبيك المال وباع نصيبه لأبي ومهما ألح عليه أبي ليظل معه ويكبرا معًا لم يستمع إليه وأخذ حقه بالكامل أموالًا، ولقد تعب أبي كثيرًا وعاش في ضيق مرارًا حتى حوّل تلك الورشة الصغيرة لذلك المصنع بجده وتعبه، ولديّ كل ما يثبت ذلك لكنه بالطبع ليس معي الآن، إنما بالبيت.

فتابع متهكمًا: أتظنين أني قد اقتنعت بهذه الحكاية؟! كلا، فأنا لا أعتني بكل هذا.

– وليس لدي إلا هذا.

– إذن فستظلين هكذا.

– ومادمت أنت ابن عمي فلماذا تغطي وجهك هكذا، هل بذلك تتخفى أم تخشى على نفسك من الفتنة؟!

قالت الاخيرة وقد تحوّل فجأة وثار تمامًا بشكل غير مفهوم ورفع يده يود لطمها لكنه تمالك نفسه ثم تركها وخرج وأعاد الباب موصدًا من جديد.

مر يوم واثنان ولم يجئ ابن العم الملثم وهي لم تأكل أو تشرب أي شيء فبدأت تصاب بالدوار والهبوط الحاد.

خلال هذين اليومين كان زين في قمة غضبه وثورته ولا يفعل شيء سوى الشراب ومزيد من الشراب حتى يثمل تمامًا  ويفقد وعيه حتى تذكر ذات يوم أنه قد ترك جميلة بلا طعام ولا ماء منذ يومين، وقد نسى أن يفك قيودها لتتمكن من الأكل، مهلًا! إنه لا يسمع صوت صراخها واستغاثتها ولا حتى أنينها، يبدو الأمر مريبًا!  فذهب مسرعًا لغرفة المخزن فوجدها ملقاة على جانبها فاقدة للوعي يحاول أن يتلمس نبضات قلبها ليتأكد من كونها لازالت على قيد الحياة لكن النبضات كانت ضعيفة للغاية.

فحملها مسرعًا وصعد بها لإحدى الغرف في الطابق الأعلى وبدأ يحاول إفاقتها بشتى الطرق لكن بلا فائدة فطلب أحد رجال الحراسة خاصته وطلب منه سرعة إحضار طبيب وقد فعل الرجل.

وبالفعل قد جاء الطبيب فاضطر زين للكذب وقول إنها زوجته وقد كانت مخطوفة لذلك تبدو هكذا، فوضع لها من المحاليل لأنها أُصيبت بهبوط في ضغط الدم،  وبعد انتهاء الطبيب و مغادرته جلس زين بجوارها يتأملها، كم هي جميلة بل رائعة الجمال!  كأنها حورية من الجنة، مهلًا بأي صفة تتحدث عن حور الجنة؟! هذا الحديث لا يمكن أن يصدر من أمثالك! وظل يتأمل ملامحها الفاتنة وشعرها النائم بجوارها وخديها التي لولا الإنهاك والتعب لكانتا متوردتين، وشفتيها الرائعتين، ما أحلاك يا ابنة العم! ولولا تلك الأمور التي لا دخل لنا بها كنت سأظفر ذلك الجمال وحدي.

ثم هب واقفًا فجأة واتجه نحو المرآة نظر لوجهه وملامحه المشوه، فوجهه ملئ بأثر جروح وندبات وخياطات قد شوهته تمامًا، بل دمرت حياته، فكل من يراه يطلق عليه مسخ وقد سأم من كل الناس حتى أنه قد سأم من حياته كلها، فكيف لك أن تحلم بمثل هذا الحلم المستحيل؟!

………………………………..

NoonaAbdElWahed

(الفصل الثاني)

فتحت جميلة عينيها وهي تتمتم: يا دادة!
ثم اعتدلت فجأة تتلفت حولها، ترى أين تكون! ثم لاحظت ذلك النائم جالسًا على كرسيه، فتذكرت أنها مختطفة من ابن عمها وآخر شيء تذكرته عندما أصابها دوار وإعياء شديد بسبب عدم الأكل أو الشرب، ثم نظرت لساعدها فإذا به أثر لإبرة المحلول فعلمت أنه قد أحضر لها الطبيب، فإذن فذلك ابن العم الملثم.

نهضت من الفراش واقتربت منه في تسلل تسترق النظر إليه، لاحظت تلك الندبات وآثار الخياطات التي شوهت وجهه بشكل مبالغ فيه لكن الغريب أنها لم تفزع بل اقتربت تحاول تخيل وجهه بدون تلك العلامات.

لكن قدمها الحافية قد صدمت شيئًا ما يبدو صلبًا فنظرت إلى ذلك الشيء، ربما ذلك ما أفزعها قليلًا لكن آلمها أكثر….. إنها رجل صناعية! فكتمت شهقاتها و أمعنت النظر لساقه والتي لاحظت أن الجزء الأسفل من البنطال فيه فراغ…. يا إلهي! إن ساقه مبتورة!

«إذن واضح أنه قد تعرض لحادث أليم» هكذا حدثت نفسها، فأخذت الغطاء ودثرته به وبينما هي تنحني لتدثره إذ استنشقت رائحة عطره، كم هي رائعة! لأول مرة تجذبها رائحة عطر رجولي هكذا! حتى إنها أغمضت عينها لتستنشق ذلك العطر من جديد، «آه يا ابن العم!» هكذا قالت وهي تتنهد.

لكن مهلًا! إن رائحتها هي التي لا تطاق، ولم لا وهي لم تبدل ملابسها منذ أيام، غير إقامتها في ذلك المخزن لعدة أيام.

فسارت متجهة نحو خزانة الملابس وفتحتها، لكن للأسف كلها ملابس رجالية، لكن لا مفر، ستأخذ بنطال رياضي مع (تي شيرت) من ملابس ابن عمها ثم دخلت للحمام الخاص بالحجرة، تحممت، غسلت ملابسها وارتدت تلك الملابس ثم خرجت و وضعت ملابسها في الشرفة لتجف.

بعد ذلك بفترة انتبه الشاب فجأة ليجد نفسه نائمًا ومدثرًا وهي ليست في الفراش ونهض من فوره باحثًا عنها وهو يلتمس هاتفه المحمول فلم يجده فثار أكثر وأكثر فركب ساقه الصناعية ثم خرج من الغرفة مسرعًا كالمجنون… لقد هربت!

لكن ما أن  وصل للطابق الأسفل حتى شعر بحركة وأصوات تأتي من ناحية المطبخ مع انتشار رائحة طعام في المكان.

اتجه ناحية المطبخ وما أن وصل حتى وجد ابنة عمه واقفة أمام الموقد وتعطيه ظهرها غير منتبهة إليه وترتدي ملابسه وشعرها مبتل و منسدل على ظهرها، كم كانت هيئتها رائعة! فظل واجمًا وقد نسى كل شيء، نسي أنه خاطفها، نسى أنه كان غاضب منذ لحيظات، كما نسى أنه لم يلثم وجهه المشوه!

كانت جميلة تدندن بصوتٍ هادئ، وقد لاحظ هاتفه المحمول بجوارها موضوع على المنضدة بجوار أطباق الطعام طبق من سلطة الجبن، طبق من البيض الأومليت وهاهي تصنع أومليت آخر لكن بالخضروات (سبانش).

فوضعت البيض في الطبق والتفتت لتضعه على المنضدة فوجدته واقفًا واجمًا أمامها فابتسمت قائلة: صباح الخير يا ابن العم!

وكان لازال محملقًا فيها، فاكملت بنفس ابتسامتها: معذرةً! لقد استعارت ملابسك فقد كانت ملابسي متسخة و ودت أن آخذ حمامًا وليس لي ملابس هنا، هيا اجلس لتفطر، هل ترغب في كوب من الشاي مع الإفطار؟

وكأنما عاد فجأة لرشده ثم قال بغضب: من الذي سمح لك بكل هذا؟ هل تظنين أنك في رحلة ترفيهية؟

فأجابت مبتسمة بتلقائية: بالضبط! فهذا ما قولته لمربيتي ولسكرتيرتي، معذرةً أيضًا فقد استخدمت هاتفك!

فصاح فيها: ومن سمح لك؟ هل جننتِ؟

فتابعت بهدوء وتكبر مصطنع: اسمع يا هذا! أنا لا أحب الإستماع لصخب خاصةً في بداية اليوم، فالزم الهدوء إذا سمحت! وهيا اجلس لتفطر.

ثم قالت: آه نسيت، إن هذا المطبخ فارغ ويحتاج للكثير من الأطعمة، بعد الإفطار سأُملي لك لستة بتلك الإحتياجات لتذهب أنت أو أحد رجالك لشراء تلك الطلبات، معذرةً أيضًا سأحتاج لبعض الطلبات الخاصة فنوع الصابون والشامبو يبدو أنهما غير ملائمين لبشرتي ولا لشعري فسأكتب لك الأنواع التي أستخدمها.

فصاح فيها: كفى! ما كل هذه الثرثرات؟!

فتابعت بنفس هدوءها: هل لأنك خاطفني ستتركني جائعة؟! ويستحسن أن يكون هذا توًا لأنه لا يوجد أي طعام لوجبة الغداء.

فمسح على وجهه من شدة الغضب لكنه انتبه أخيرًا  أن وجهه غير ملثم فوجم للحظات وابتلع ريقه ببطء ثم قال بصوت أكثر هدوءًا: هل تريني وترِي وجهي؟
فقالت وهي تصب الشاي: أجل!

فتسآل بتوتر: كيف؟!

– عفوًا! لم أفهم السؤال.

تسآل وأنفاسه تتلاحق من التوتر: كيف تري وجهي وتكوني بهذا الهدوء، ألم تخافي؟! ألم ترتجفي؟!

– ولم كل هذه التسؤلات؟! هل تقصد هذه الندبات؟! إن الليزر و تقنيات أخرى تحدث البدع في مثل هذه الأمور، لا عليك، هيا اجلس وافطر!

فصاح بغضب: ليس من حقك أن تتحدثين بشأن ذلك الأمر وهو لا يخصك.

فتابعت بهدوء: فلنتحدث في حينٍ آخر، هيا لنفطر أنا جائعة.

وقبل أن يرد كانت بجواره وتجذب أقرب كرسي له وتمسكه من ذراعه وتجلسه عنوة وهو يشعر ببلاهة وعدم إدراك فهو لا يفهم لم تفعل كل هذا، لكنه لم ينكر تأثيرها عليه عندما اقتربت منه هكذا و أجلسته، فقد شعر بجاذبية غريبة يريد أن ينفضها من رأسه لكن كلما نفضها تعود.

وجلست جميلة في كرسي آخر بجواره وقالت: صحيح أني لست بطباخة ماهرة لكن على أيةِ حال تلك الأشياء صالحة للأكل، لا تنظر إليّ هكذا سأبدأ بالأكل حتى لا تظنني أود سَمَّك.

فأمسك بهاتفه وفتحه ينظر فيه متسآلًا: بمن اتصلتِ؟

فأجابت بهدوء: اتصلت بمربيتي فقد كانت قلقة عليّ وأخبرتها أني قد سافرت للإستجمام وحتى أهدأ فقد تعبت في الأيام الأخيرة كثيرًا، ورغم أنها لم تصدقني لكن أرى أن الأمور على ما يرام، وأيضًا حادثت سكرتيرتي أطمئنها وتناقشنا قليلًا في بعض أمور العمل وكل شيء صار على ما يرام أيضًا، وأنا الآن أستمتع بوقتي.

فتابع بدهشة: يبدو أنكِ قد نسيتِ أنك مخطوفة!

فتابعت بلطف: يبدو أنك نسيت أني أتناول فطوري ولا أحب الصخب ولا الثرثرة.

– هه! لا تحبي ماذا؟! الثرثرات! إذن فمن هذا المذياع الكائن أمامي؟!

فضحكت فوجم من جديد فهو في الأصل لم يتوقع جمالها هكذا، وماذا لو كان هذا الجمال مصحوبًا بمرح وخفة ظل وجاذبية؟!
«يبدو أن وجودنا معًا هكذا سيكون أمرًا في غاية الصعوبة!»  هكذا حدث نفسه.

تناولا الإفطار ثم جلست تكتب لستة الطلبات وهو يشاهدها وهي تكتب، لا لم يكن يشاهدها بل شرد فيها كمن غرق في بحرٍ عميق وتتقاذفه أمواج الهوى هنا وهناك.

وبالفعل أرسل من يشتري مثل تلك الطلبات وعاد لداخل الفيلا فوجدها جالسة على الأريكة تشاهد التلفاز فجلس بجوارها وهو غاضب.

فصاح فيها: ماذا تفعلي؟ إطفئي هذا! ودون نقاش ولا تنسي أنك هنا مخطوفة.

فأردفت دون أن تلتفت إليه: لم أنسى لكني أود التسلية، ربما يجئ فيلمًا كوميديًا فلنشاهده ونضحك.

فصاح فيها بقوة: لا أفهمك حتى الآن، تأمرين وتنهين وكأن البيت بيتك! لقد فاض الكيل!

فنظرت إليه ثم قذفت جهاز التحكم واتجهت مسرعة لأعلى ودخلت إحدى الغرف وأغلقت عليها الباب وبكيت كثيرًا.

ظل واجمًا هكذا لفترة، لا يفهم سر ضيقه، هل لأنه عنّفها؟ أم لأن هذه المرة الأولى التي يجد فيها من تخترقه هكذا تخترق كل الحدود والحواجز التي شيدها حوله حتى لا يصل إليه أحد أو يحتك به أحد شفقة عليه، لكنه لم يرى في وجهها أي تعبير يدل على شفقة ولا في عينها أي نظرة عطف، بل تعاملت بطبيعة وتلقائية وكأن وجهه هذا أمرًا عاديًا، وماذا لو علمت أيضًا بأمر تلك الساق الصناعية؟ فقد ظنّ أنها لا تعلم.

…………………………………

الفصل الثالث

ظل زين مكانه بعض الوقت محاولًا استيعاب ما حدث، لكن لم يستمر الأمر طويلًا فسرعان ما صعد خلفها و وصل لباب الغرفة الموجودة فيها وطرق الباب مناديًا عليها.

– جميلة!

– اتركني وحدي!

– أرجوكِ جميلة! أنا آسف! إقبلي أسفي!

– قلت اتركني وحدي!

– سامحيني! فأنا منذ زمن وأنا أعيش بمفردي هنا وكأني قد نسيت كيفية التعامل مع البشر، فهي حقيقة كيف لمسخ أن يتعامل مع بشر عاديين؟

وقعت تلك الكلمات على قلبها قبل أذنها وقد آلمتها بشدة وما كانت لحظات إلا ومسحت دموعها وفتحت الباب.

ثم قالت: لا تقل كلمة مسخ هذه!

فابتسم بسخرية ثم قال: إذن فمن أكون إذن؟!

فابتسمت بحنان وقالت: أنت ابن العم.

فابتسم هو الآخر قائلًا بقلة حيلة : إذن فاقبلي أسف ابن عمك!

فأردفت بغضب مصطنع: بشرط.

فتسآل بدهشة: ماذا؟

– سأقبل إعتذارك بشرط.

– ترى ما هو؟! إستر يا ستار!

– أن تعتبرني ابنة عمك وتحكي لي عنك، أود معرفة الكثير، بل كل شيء.

– لأي شيءٍ تخططين؟

فعلقت ذراعها بذراعه ثم سارت تتأبطه تتجه لأسفل وهي تقول: أخطط لعودتك للحياة من جديد.

فأهدر وكأنه مسلوب الإرادة: هل تعلمي ماذا تفعلي بي عندما تعامليني هكذا؟

فتسآلت برقة زلزلت كيانه: ماذا؟

– تعطيني أمل كبير أخشى حتى تصديقه.

– لا تخشى وصدق.

وكانا قد وصلا وجلسا ثم قال لها: هل صحيح أني أشبه عمي؟

فاتسعت ابتسامتها لدرجة أشرق وجهها: أجل! تشبهه كثيرًا في الملامح وأتمنى أن تكون مثله في طباعه حتى لا أتركك.
ثم انتبهت وأكملت ببعض الإرتباك: هيا احكيلي ما قصتك؟ ماذا درست؟ كل شيء.

فابتسم قليلًا مما رآه في عينيها ثم حاول أن يصرف ما حاك في صدره ثم قال: كانت حياتي رائعة و أكثر حتى ماتت أمي، هنا بدأ مؤشر حياتي في الإنحدار، صحيح أني لم أكن طفلًا رضيعًا بل شابًّا يدرس القانون.

فأومأت برأسها تهزها: إمممممم ! إذن فأنت محامي!

فتابع: كنت، وكان لديّ مكتب محاماة لكني أغلقته منذ أعوام.

– لماذا؟

– بعد وفاة أمي تركني أبي، لا أعلم من صدمته لوفاتها أم ماذا؟ لكن كل ما أعلمه أني صرت وحيدًا وكلما طلبت مجيئه اتهمني بالطفولة، كنت أشعر بوحدة غريبة، صرت أشرب الخمر حتى أثمل تمامًا، وذات يوم كنت مخمورًا وعائدًا ليلًا وأقود سيارتي فحدث ذلك الحادث كما ترين، ومنذ يومها وأنا حبيس هذا البيت لا أقابل أحد ولا أحدًا يقابلني سوى رجالي ليلبوا احتياجاتي من مشتريات وغيرها، أما أبي فقليل ما يجئ يزورني، فهيئتي كما ترين لا تدعو لأي ألفة.

– معذرةً في سؤالي! لماذا لم يطلب والدك من الأطباء وقت الحادث خياطة الجروح بشكل أفضل؟

– لأن حالتي كانت خطيرة ومنتظر وفاتي بين اللحظة والأخرى، فقد كنت في غيبوبة لفترة طويلة ورأى أبي أن لا فائدة من خياطة التجميل ما دمت سأموت…

ثم سكت ولم يقوى على البوح بما أصاب ساقه، ورغم معرفتها لكنها لم تعلق وتركت اعترافه بذلك الأمر في وقت أفضل له.

– لا عليك، كلها شكليات.

– كيف أنتِ بهذا الهدوء؟ كيف لم تفزعي من هيئتي؟! كيف تستطيعين النظر في وجهي وتبتسمي إليّ هذه الإبتسامة الرائعة؟ إن أبي نفسه عندما يراني يلدعني بنظرات الإشمئزاز، وألاحظ أن يتجنب النظر في وجهي.

– لكني لست هو…

ثم تحدثت مغيّرة للموضوع: لاحظت ارتباكك عندما علمت باستخدامي لهاتفك رغم إني أقسم لك مافعلت سوى الإتصال فقط، لم أفتش هنا ولا هناك.

– وإن فتشتي فلن تجدي أي شيء.

– ألا تحادث الفتيات عبر الشات؟!

فأومأ برأسه أن لا: لا أحب هذه الطرق في التواصل، لأنها طرق خادعة، ترى الفرد منهم يضع صورته وهو يبتسم وفي الحقيقة هو يتألم، كيف لي أن أفهم من أمامي عبر تنفعالات ذلك الوجه الأصفر، التواصل الحقيقي لا يكون إلا وجهًا لوجه، أنظر في عينيك وتنظر في عينيي، وبما أنه لا يمكن لأحد أن يراني وجهًا لوجه فقطعت علاقاتي بكل البشر.

فقالت: بمناسبة العيون إن عينيك الرماديتين رائعتين حقًا! ربما تكون تشبه عيون أمك فلا أحد في عائلتنا له نفس هذا اللون البديع.

فأومأ برأسه أن نعم: أجل! كان لأمي عيونا رمادية.

وهنا قد دخل أحد الرجال ويحمل الكثير من المشتروات فاتجهت إليه جميلة لتأخذها منه ثم انصرف.

فالتفتت لزين وقالت: إن صنع الطعام يستغرق وقتًا وعلينا أن نبدأ من الآن، هيا انهض وقم ساعدني يا رجل!

– يمكننا شراء طعام جاهز.

– لكني أريد التعلم فيك.

– يا إلهي! لقد وقعنا في الفخ!

– يمكنني الإتصال بمربيتي  وستُمليني طريقة عمل الوصفات.

– لكن لن تتصلي.

– إذن هناك فكرة أخرى، يمكنك تحميل تطبيق للوصفات وما عليك إلا اختيار الوصفة وسيكون أمامك فيديو يشرح عمل الوصفة، هيا حمله!

وبالفعل حمل زين التطبيق ولم يعلم لماذا يسير خلفها هكذا وينفذ لها كل ما تطلبه!

بدءا بالفعل يعدان وصفة ما، وقد كان معها في المطبخ بل ويعاونها في بعض الأمور مثل تقشير أو تقطيع، كم كان وقتًا رائعًا! فلم يشعرا معًا بالوقت كيف يمضي هكذا!

ويومًا بعد يوم وهما يتشاركان كل شيء ويحكيان ويضحكان، تلك الضحكة التي قد نسى مذاقها منذ أعوام، كما نسيا أنه كان خاطفًا لها، لقد كانت فعلًا فترة للإستجمام، لكن صار يتملكه شعور نحوها قويّ للغاية فلا يطيق بعادها ولا فراقها، أجل قد أحبها حبًا لا يُعقل، فقلبه المحروم من أي عاطفة هذا بمجرد أن جاءته الفرصة دق بكل قوته لها ودون سابق إنذار.

لكن كان دائمًا يذكر نفسه بحاله، بشكله المشوه، بقدمه التي لازالت لا تعلم عنها أي شيء، ترى هل ستقبل عاهته كما تقبّلت ملامحه الدميمة تلك؟
فلن يقبل منها أي عطف أو شفقة رغم أن كل ما وجده منها لا يدل إلا على عشق دفين داخل مهجتها، لكن إن كان يحبها هكذا فلم يفرض عليها أن تعيش أسيرته مدى الحياة، ليس فقط لأنه خطفها بل لأنها ستكون أسيرة لعاهته وقبحه، عليه أن يبعدها عنه بأي طريقة، فمن أعطته قلبها وكل هذه السعادة لا يكون جزاءها أبدًا ذلك الجزاء.

لكن مهما حاول الإبتعاد كان يجد نفسه يقترب، فقد صار هو من لا يقوى على البعاد، لأنه من يحتاج لبقاءها أكثر، ولا يدري كيف حدث كل هذا ولم يعرفا بعضهما إلا من أيام معدودات، لكن تلك الأيام القليلة قد جعلت كلا منهما الكثير فالحب لا يحتاج لتلك الفترات الزمنية لينبت وينمو ويترعرع، لم يبق إلا البوح حتى يتم ميلاد هذا الحب لأرض الواقع.

وذات يوم بينما كان زين يتجول في حديقة البيت ورأى زهرة جميلة لكنها لم تكن أجمل من جميلة نفسها، فهم ليقتطفها و يقدمها لها فقد حان وقت البوح.

وبينما هو كذلك إذ فتحت جميلة الرشاش الذي يروي الحديقة دون أن تنتبه لوجود زين بين الزرع.. وفجأة!

تتاثرت رذاذات الماء على زين وهو يصيح لكن ليس بغضب فإذا بجميلة تدرك ماذا فعلت لكنها أسرعت إليه تشاركه وهي تضحك بصوتٍ عالٍ وقد قلبت الموقف لمزحة.

فلم يجد نفسه إلا أن يضحك هو الآخر بصوتٍ عالٍ وسط تلك الرذاذات، كانت أصوات ضحكاتهما تشق الهواء وإن رجاله ليتعجبون من تغير حاله واعتداله هكذا ويتمنون لو تبقى جميلة للأبد.

ثم بعد قليل اقتطف تلك الزهرة وأعطاها لها فأخذتها وابتسمت ثم رفعت عينها إليه بنفس الإبتسامة الرائعة وقبل أن ينطق بكلمة تعلقت برقبته فوجم قليلًا وكأنه قد ضُرب على رأسه، لكنها لحظات وضمها إليه وقال: أحبك جميلة! لا أعرف متى ولا كيف تسربتي وتسللتي بداخلي هكذا! لكن ما أعلمه أن تلك الصخرة الصماء التي كانت على يساري قد أذبتيها وأعدتي إليها الحياة.

فابتعدت قليلًا وقالت بسعادة: وأخيرًا نطقت، وأنا أكثر منك بكثير، بين عيشة وضحاها وجدت نفسي أحب من خطفني، أنت لم تخطفني زين بل خطفت قلبي.

فضمها إليه ثانيًا لكنه شرد فجأة، إنه مخادع لم يبوح بكل شيء، كأنما يضعها أمام الأمر الواقع.

………………………………..

(الفصل الرابع)

مضيا معًا يومًا رائعًا فمهما تمنى زين لم يتمنى يومًا أكثر مما هو فيه أن يجد من تحبه هكذا أن ترى قلبه بغض النظر عن شكله وملامحه، أن يكون سعيد لتلك الدرجة، أن يضحك حقًا من قلبه.

لكن السؤال الذي يطرحه لنفسه هل أنت تستحق هذا القلب؟! لقد آثرتك على كل شيء في حين أنت قد آثرت كبرياءك، فحتى الآن لا تقوى على البوح بأمر ساقك المبتور هذه، أتخشى فراقها؟! إذن فأنت أناني لأنك لا تريد تخييرها وهي لا تستحق أنانيتك تلك.

هكذا كان شارد في أفكاره بينما كانا يجلسان لمشاهدة التلفاز في المساء، إذ فجأة أخرجه من شروده تلك الرأس التي انزلقت على كتفه، إنها رأس جميلة فقد سقطت في سبات عميق.

كان يرى أن علاقتهما ماهي إلا بعض الوقت وستنتهي بمجرد معرفة جميلة للحقيقة إذن فعليه أن يقضي كل لحظة بجوارها ولا يفارقها، حتى تكون لديه ولو ذكريات سعيدة!

لمح بُردة موضوعة على الأريكة فقربها برجله السليمة وهو جالس مكانه حتى لا يُيقظها وضمها إليه وتغطيا بتلك البُردة، ثم أطفأ التلفاز باستخدام جهاز التحكم ونام بجوارها يحتضنها يشعر بدقات قلبها التي تدق له بصدق ، شعر بأنفاسها، استنشق عبير شعرها، شدد في قبضته عليها ربما لا تفارقه إن التصقت به هكذا.

وفي صباح اليوم التالي فتحت جميلة عينيها فوجدت رأسها على صدر زين وهي كلها بداخل حضنه الدافئ، وما أروعه من إحساس! فرفعت رأسها قليلًا تنظر إليه وهو نائم، ترى فيه براءة طفل صغير فأعادت رأسها على صدره من جديد وعانقته هي الأخرى و ودت لو لم يتحركا أبدًا.

لكن عناقها هذا قد أيقظه، لايصدق نفسه أنه قد بات ليلة كاملة قريبًا منها لهذه الدرجة! يا ليت الأمر يدوم.

لكنه الآن يشعر بألم شديد في ساقه فقد نام بهذه الساق الصناعية يبدو أنها قد أحدثت التهابات في ذلك المكان، كم هو مؤلم بل شديد الألم ، إنه لا يقوى على التحمل.

بدأ يتحرك حركات عشوائية فشعرت جميلة أنها ربما قد آلمته برأسها تلك طوال الليل، فما أن قالت بوجه باش: صباح الخير حبيبي!

حتى صاح فيها فهو حتى لم يقوى على رد الصباح أو ضبط إنفعاله تلك اللحظة فالألم شديد.

زين بصياح: ابتعدي!

فابتعدت و نهضت واقفة فجأة واجمة ولا تصدق ردة فعله هذه ولا تعرف حتى كيف تستوعبها.

فأكمل بنفس الصياح: هيا أغربي عن وجهي الآن!

فقالت وقد تملكتها العبرة: ما الخطب زين؟!

لازال يصيح: ألازلتِ واقفة؟! قلت أغربي عن وجهي! اختفي من أمامي! هيا!

فجريت مسرعة نحو غرفتها وهي تبكي بحرقة ولا تفهم ماذا جنت ليصيح في وجهها هكذا؟!

بينما هو بمجرد إنصرافها جلس أرضًا وفك هذا الجهاز اللعين المربوط من أسفل ركبته، وما أن فكه حتى بدأ يتنفس وإن كان لازال هناك ألم لكنه ألم محتمل الآن.

ثم عاد لنفسه يؤنبها على ردة فعله القوية وقسوته معها، لقد أغضبها، لقد أحزنها، لقد تسبب في بكاءها، وهذا الذي تفعله مقابل مقابل ما تفعله هي معك!

دخلت جميلة غرفتها وارتمت على الفراش باكية ثم نهضت جالسة وهي تمسح دموعها وتسأل نفسها: ماذا فعلت؟ ما الخطب؟ لماذا كل تلك الثورة؟ لابد أن هناك أمر ما عليّ معرفته، لا بل عليه معرفة كيف يتعامل معي فلا يمكن أن أتقبل ثورته هذه، فهبت تتجه لأسفل.

كان زين جالسًا أرضًا وكاشفًا ساقه المبتور هذه وجواره الساق الصناعية ولازال يتهم نفسه بسوء التصرف والغباء ويفكر بطريقة مناسبة ليعتذر إليها، لكنه وجدها أمامه فجأة فوجم وابتلع ريقه بصعوبة وظل ينظر حوله ويجذب رجل بنطاله لأسفل ليخفي تلك الساق وبدأ يرتبك ويتوتر وشعر بالخزي والإحراج فجأة! فهاهي قد علمت كم أنت مخادع بل ومتسلط، أتكون هذه حالتك وتقوم أنت بإغضابها والتسبب في بكاءه؟!

لكن جميلة قد وجمت قليلًا، صحيح أنها تعلم حقيقة ساقه تلك منذ اليوم الأول لكنها قد نسيتها بالفعل، كيف غابت عنها تلك؟! إذن فلتلتمس له العذر.

وبدأ يرفع عينه نحوها بخزيٍ واحتراس يخشى أن يرى منها نظرة سخرية، رفض أو ربما نظرة عطف وإشفاق.

وما كاد أن يرفع عينه حتى وجدها اقتربت فجأة وضمته برقة وحنان ود لو لم تبعد عنه لحظة لينعم بذلك الحنان أكثر، لكن الكبرياء قد حضر فدفعها يبعدها عنه، لكنها أمسكت وجهه بيديها وهي تنظر بعينيها التي لازالت تبكي لكن ينبعث منهما كل الحب والشوق ثم تبتسم وهي تربت على وجهه برفق ثم ضمته ثانيًا، فلم يملك نفسه إلا أن أجهش بالبكاء في حضنها فبكت هي الأخرى.

مر بعض الوقت وبدأ اثنانتهما في الهدوء فأبعدها عنه برفق ومسح دموعها بيديه وقرب وجهها إليه وهو يقول معتذرًا: أعتذر منك حبيبتي، أقصد يا ابنة العم.

فأهدرت بحب: بل حبيبتك.

فتسآل بألم وقلة حيلة: قوليلي بالله عليك من أين تأتي بهذا الهدوء؟! والله كنت أود إخبارك! لكني خشيت أن تتركيني وترحلي، كيف تقبلين بمسخ وعاجز؟

– لا أحب سماع مثل ذلك الكلام مجددًا، أنا أحبك أتفهم؟ أحبك!

– قوليلي ماذا تحبين في؟ هيا قولي!

فوضعت يدها على قلبه وقالت: أحببت هذا، أحببت قلبك.

– وماذا تفعلي به؟

– لست بحاجة لرجلٍ وسيم، لكني بحاجة لرجلٍ حنون، و بداخل هذا القلب حنانًا لا يوصف.

– أرجوكِ أعيدي التفكير، ربما أقبل تركك لي الآن لكن بعد ذلك ربما أقتل نفسي.

– الإنتحار هو فقط حيلة الضعفاء، وأنت لست هذا الضعيف.

– بل أنا هو، صدقيني.

– كن مطمئنًا لن أتركك، ولن أمل من قربك أبدًا ربما يحدث العكس فأجعلك أنت الذي تمل.

فضمها إليه وقال: لا والله! ليتني أقوى على إسعادك و أرسم على وجهك الملائكي هذا تلك الإبتسامة التي تمنحيها إليّ.

– أنت فعلًا سر سعادتي وبسمتي في هذه الحياة، المهم هيا أخبرني كيف أساعدك؟

– ساقي تؤلمني بشدة، لقد أصابها التهابًا شديدًا من أثر النوم بذلك الجهاز وأود أخذ حمامًا دافئًا والمكوث في فراشي اليوم، فهل تساعديني حتى أذهب لغرفتي؟ رجاءً!

– لست بحاجة للرجاء، هيا انهض معي! لكن تحرك بهدوء معي حتى لا نسقط معًا من فوق الدرج.

وبدأت تساعده أن يقف ثم سارا معًا حتى الدرج وهو مستندًا عليها وهي تمسكه من خصره، وصعدا معًا بهدوء حتى وصلا لغرفته فأدخلته وجلس على فراشه.

ثم قال: جميلة! افتحي هنا!
وأشار نحو خزانة الملابس ففتحت فإذا بها حقيبة يدها فمنذ أن اختطفها وهو قد أخذ متعلقاتها وهاتفها حتى لا تتمكن من طلب الإستغاثة.

فتابع مبتسمًا: هذه حقيبتك خذيها، وهي كاملة كما هي لم ينقصها شيء وبداخلها هاتفك، يمكنك تركي الآن وعندما أنتهي من حمامي سأتصل بك.

فأومأت مبتسمة برقة: حسنًا! وأنا سأذهب لإعداد الإفطار.
وقد ذهبت للمطبخ لتعد الإفطار، بينما هو قد تسند على قطع الأثاث ودخل الحمام.

وبمجرد أن انتهى زين من حمامه واتصل بها حتى كانت قد انتهت هي الأخرى من إعداد الإفطار، فحملت الصينية وصعدت إليه وكان قد جلس في فراشه و وضع الغطاء على رجليه فدخلت بابتسامتها الساحرة ثم وضعت الصينية وبدأت تقطع الطعام وتطعمه في فمه وهي تحكي بخفة ظلها المعتادة.

كم كان سعيدًا هذه اللحظة! فقد شعر فجأة أن أمه قد خرجت من قبرها وجاءت إليه تطعمه وتدلله.

لكن ساعات السعادة قلما تدوم، وإذ فجأة قطع ذلك الإنسجام البديع صوت يصيح: ما هذا؟ ما الخطب؟!

………………………………….

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة الان