رواية ” العوض الجميل ” الفصول من السادس عشر إلى التاسع عشر للأديبة نهال عبد الواحد

الفصل السادس عشر

لاحظ وليد اضطراب تنفسها كأنها تنهج بشدة، بل أنها ممسكة برقبتها وكأنها تختنق… ربما ترى كابوسًا!
ثم بدأت في الصراخ!

اقترب منها وليد مسرعًا، جلست ولاتزال تصرخ وتبكي بهيستريا، فتحت عينيها فوجدته أمامها فصرخت مفتشة فيه وهو لم يدري عم تفتش لكنه فجأة جذبها نحوه وضمها.

أجل ضمها أخيرًا، ربما تهدأ ظل هكذا لفترة ولازالت ترتجف بين يديه وتبكي حتى مر بعض الوقت وهدأت.

حقيقةً هو من احتاج لهذا القرب فلأول مرة يتمكن من ضمها إليه!

بدأت تهدأ شيئًا فشيئًا فأعطاها بعض الماء فشربت رشفاتٍ قليلة ثم عادت بظهرها للخلف تتلاقط أنفاسها وتتنفس بعمقٍ وهي مغمضة العينين.

وفجأة فتحت عينيها كأنما عادت إلى الواقع فجأة فوجدته جالسًا أمامها وظلت تنظر إليه.

فأمسك يدها وقال: هه! هديتِ شوية؟

وفجأة انتبهت لحالتها وهيئتها فوضعت يديها على كتفيها ثم جذبت الغطاء عليها ترتجف من جديد.

هتف وليد برفق: إهدي من فضلك، إهدي عشان نتفاهم.

– نتفاهم على إيه؟ ولا أخيرًا هتقرر تعبرني! ولا.. ولا قررت تنهي الحكاية كلها!

قالت الأخيرة بصياح، فأكمل وليد: مش هلومك عشان جيت عليكِ كتير ومش عارف ألاقي عذر ولا مبرر، بس زي ماانتِ تعبانة أنا كمان تعبان، كنت محتاج لوقت أستوعب فيه، بتخبط وعايش في صراعات جوايا، عايز أقرب بس خفت من صدمة منك وعشان حبيتك أوي توقعت الوجع هيكون قوي…

– فسبّقت إنت وقبل مااوجعك وجعتني!

فأومأ برأسه على استحياء ثم قال: بس توهت وتعبت أكتر ووجعت نفسي أكتر وأكتر، لحد إمتى هنفضل كده!

– للأسف ما عنديش إجابة، ده إنت حرمت عليّ حتى إني أحاول أقرب منك!

– ندمان وغلطان وعرفت إني غبي ومتخلف كمان.

– لا ما تقولش على نفسك كده، ده انت أحسن راجل.

فابتسم وقال: لسه قادرة تدافعي عني!

– عشان عمري ما عرفت أشوف راجل غيرك، بس انت اللي مش فاهم.

– ما بقول غبي وحمار!

– وانا باقول ما تقولش عن نفسك كده!

– لسه قادرة تحبيني!

– وعمري ما بطلت ولا هبطل حتى لو كان آخر يوم بينا.

– آخر يوم!
أهدر بها وليد، ثم سألها بتخوف: إنتُ مش عايزة تكملي معايل؟!

– أنا! أنا مش عايزة أفارقك غير يوم موتي.

فجذبها نحوه فجأة وضمها إليه وقال مخللًا أصابعه بين خصلات شعرها: ما تقوليش كده بعد الشر عنك ده انت لو جرالك حاجة….. مش عايز أتخيل ولا افكر.

– طب بتعمل فيّ كده ليه؟ اللي ما بيجربش حاجة بيكمل من غيرها وخلاص وبيبقى راضي، لكن…

– خلاص بأه حقك عليّ.
قالها واحتضن وجهها بيديه ونظر في عينيها وهمس بنبرة لم تعهدها: خلاص مش هزعلك تاني، وده وعد.

فتنهدت قائلة: خايفة أصدقك.

– لا صدقي المرة دي، هه! صافي يا لبن!

فابتسمت إليه وأومأت برأسها موافقة، فضمها إليه من جديد ثم شعر بشيءٌ يبلله فنظر إليها فوجد دموعها تسيل فمسحها بيده وأخذ يتأمل وجهها كثيرًا حتى أن ازداد تلاحق أنفاسها وضربات قلبها.

ظل ناظرًا محملقًا في كل إنشٍ فيها ثم أمسك خدها برقة واقتطف أول قبلة فذابت فجأة وكادت تفقد وعيها، فتابع بأخرى وأخرى و……

وفي الصباح حاولت شفق أن تفتح عينيها، لكنها كغارقة في بئرٍ عميق تشعر بشعور ما بين اليقظة والنوم فلا تدري إن كانت نائمة أم مستيقظة! تحاول جذب جفونها لتفتحها لكن يبدو أن الأمر صعبًا.

شعرت بذراعيت دافئتين تطوقا جسدها وبأنفاس قريبة منها للغاية، ثم صوت طفلة تنادي.

كانت شفق تطرق على الباب وتناديها: مامي! مامي! الباص جه، كل ده لسه ماجهزتيش! يا مامي!

وهنا انتبه وليد لصوتها فاستيقظ فوجد حبيبته متوسدة صدره العاري ومحتضنها بقوة كأنما يخشى فراقها فنظر نحوها وابتسم وهو يرفع إحدى خصلات شعرها من وجهها لكن طرق شفق ونداءها لم يتوقف.

فصاح وليد: إيه يا فوفا؟

– صباح الخير يا بابي! هي مامي لسه بتلبس ولا إيه؟ الباص وصل.

– صباح الفل يا عيوني، مامي نايمة.

-إيه؟! معقول!

وقد تزامن ذلك مرور هالة فاستوعبت الموقف وابتسمت بسعادة وقالت: خلاص يا فوفا إنزلي إنتِ عشان ما تتأخريش، مامي تعبانة ونايمة وشكلها مش هتقدر تنزل يلا حبيبتي.

نزلت شفق مسرعة وتابعو هالة ابتسامتها المتسعة بسعادة وتنهدت بفرحة ثم نزلت تتجه نحو المطبخ لتصدر أوامرها بأن يكونوا على استعداد لإعداد إفطار خاص للعروسين.

وداخل الغرفة لازال وليد يعبث بشعرها وهي لازالت تقاوم النوم تود أن تستيقظ وتبدأ لتفتح عينيها فتلمح بطرف عينها جسد رجالي يلتحف معها غطاءها فانتفضت فجأة وهي ترفع شعرها بيديها فوجدته هكذا جوارها فجذبت الغطاء ساترة كتفيها على استحياء، وجمت قليلًا ثم همست بتردد: هو….هو ده انت بجد! آه دماغي!

وأمسكت برأسها،نظر إليها وليد وضحك بشدة ثم نظرت ناحية النافذة وانتفضت ثانيًا وقالت: هي الساعة كام؟ الباص!

– ممكن تهدي! الباص مشِي، إنهاردة أجازة.

– بس أنا مااخدتش أجازة.

– لا أخدتِ، ثم غمز لها وأكمل بوله: عمرك شوفتِ واحدة تروح شغلها يوم صباحيتها!

فتورد وجهها خجلًا فضحك مجددًا من هيئتها وتوترها.
ثم قالت: وليد إنت….

فضمها إليه مقاطعًا: مالك فيكِ إيه بس!

فأخذت نفسًا عميقًا ثم قالت: ممكن ما تحاولش تعاقبني ببعدك عني تاني!

فقال وهو يضمها أكثر: عمري يا عمري، خلاص حرمت والله! ده حتى اللي بيرمي النعمة ربنا بيزيلها من وشه، وانتِ بأه أحلى نعمة! وأحلى وأجمل عوض ربنا بعتهولي!

ثم ابتعد قليلًا محملقًا فيها وأكمل بمكر: هه! لسه مصدعة؟

– مش عارفة مالي! مش مظبوطة كده.

– يبقي نظبطك.
وجذبها على فجاءة وجذب الغطاء نحوهما….

قبيل الظهر كانت هالة قد أمرت بإعداد الإفطار، صعدت به الخادمة معها فطرقت هالة الباب ونادت على وليد فانتبه لصوت أمه.

فأجاب بصوتٍ ناعس: أيوة يا ماما!

– الضهر قرب يا حبايبي، الفطار جاهز و أدام الباب، هه!

فضحك وليد بملئ صوته وقال: تسلميلي يا ست الكل.

– يلا أنا همشي وأطلع إنت خده هه!

انصرفت هالة واستمر وليد في ضحكه ثم قام وارتدي ملابسه، فتح الباب وأدخل الإفطار ثم أغلق الباب من جديد ونظر فوجد أصنافًا عديدة.

ذهب وليد مجددًا جانب زوجته ييقظها بدلال، فتلمس وجهها ثم جذبها جذبة خفيفة من أنفها ففتحت عينها فابتسم لها وغنى قائلًا:
أدام عينيا اللي حلمت بيه
هو اللي غيّر فيّ عيني الحياة
أول ما قلبي شاورلي عليه
حسيت كأنه ما صدق لقاه
الله على جماله في كده الله
أنا قلبي كان ف حاله شاف عيونه تاه
إن شا الله أعيش حياتي كلها معاااااه

فاتكأت وابتسمت قائلة: ده إيه الدلع ده كله!

– تحت أمرك يا ملاكي!

– صوتك حلو على فكرة.

– آه ما أنا عارف.

فضحكت فأكمل: مش غرور والله! أنا طول عمري كنت بغني وكنت عامل فرقة مع اصحابي، كنت بغني وبلعب جيتار، بس لما بابا اتوفى سيبت كل حاجة ومسكت الشركة.

– اممم! يبقي فوفا طالعة لك!

– أيوة!

– طب والزرع!

– أنا أصلًا بكالوريوس زراعة واشتغلت في المقاولات بس عشان شركة بابا، بس ده ما يمنعش إني بحب الزرع وأحب أعتني بيه بنفسي، جنايني بأه!

فضحكت وقالت: لسه فاكر!

– يلا قومي عشان الفطار جاهز يا مولاتي.
وأشار ناحية الطعام.

– إده هنفطر هنا! طب وماما!

– إنهاردة مفيش غيري وبس، وبعدين ماما هي اللي مطلعاه أصلًا، إنسي إنك تخرجي من هنا إنهاردة.

– معقول هنسيبها لوحدها اليوم كله!

– ماما دلوقتي هتلاقيها في ذكرياتها مع الحاج، أفتكره الله يرحمه كان بتيجي عليه أيام يختفي هو وماما ويطلب الأكل يطلعله بالتليفون وهو يادوب يفتح ياخد الأكل وبعد كده يطلع الأطباق فاضية، وأنا أول مرة أجرب أعملها بصراحة، يلا قومي بأه!

قالها وهو يجذبها لتنهض، فتابعت بتردد: طب ممكن أطلب طلب!

-آه ابتدينا بآه!

– بجد بأه!

– قول يا حبيبي.

– عايزة ألبس جاكت بيجامتك!

فقال بخبث: اشمعنى! شكلك طمعانة فيه، صح!

– نفسي ألبس هدومك وتكون دافية مكانك وفيها ريحتك فاحس إنك حاضني على طول.

فاحتضنها وقبّل جبهتها ثم خلع سترة منامته وأعطاها لها فارتدتها ثم أخذ بيدها وأجلسها وجلس جوارها وبدءا يأكلان وهو يطعمها بيده وهي تفعل كذلك، يتحدثان، يتسامران، يمزحان ويضحكان.

(الفصل السابع عشر)

مرت أيام وأسابيع ولا يزداد وليد وشفق إلا قربًا، عشقًا وتفاهمًا وكلًا منهما يتفنن في إسعاد الآخر.

ورغم استمرارهما للذهاب للعمل إلا أن وليد قد أصبح يعود إلى البيت قبل مغادرة شفق وابنته للمدرسة والإفطار معهما كما أنه اعتاد المجئ للغداء معهم وأدمن إطعامها بيده كما تفعل هي معه لكنه يضطر لإطعام ابنته أيضًا.

لقد تغير وليد كثيرًا بشكل هو نفسه لا يصدقه، فقد صار لعائلته وقتًا من حياته سواء خارج أو داخل البيت.

ولم يعد يتصور أن هناك أي شيء يبعده عن زوجته وحبيبته بشكلٍ لم يتخيله من قبل! فقد تأكد أنه لم يحب ولم يتزوج قبلها؛ فلم يذق حُبًا ولا حنانًا هكذا، مَن تعطي دون مقابل، من تحبه هو وكل سعادتها في قربه هو و ليس أي شيء آخر.

وذات ليلة كانت شفق تنتظر وليد في الحديقة جانب حوض الزهور الذي شهد بداية حبهما فوقفت تتنفس عبيرها بعمقٍ شاردة في ذكرياتها معه وبعد قليل جاء وليد فرآها فذهب إليها وعانقها بشوقٍ شديد.

همس مداعبها بأنفه: حبيبي واقف في البرد ليه؟

– بستني حبيبي.

فاحتضنها بشدة ثم أخرج من جيبه علبة صغيرة، فتحها فإذا بها خاتم وألبسه لها وقبل يدها.
وقال: كل سنة وإنت حبيبي.
وقبلها بعمق.

فصاحت شفق بسعادة بالغة: جميل أوي! وكتير أوي!

– بأه ده كتير أوي! دي أول هدية أجبهالك من يوم مااتجوزنا!

– إنت هديتي يا حبيبي، عارف! أنا حاسة إني بكرة هكمل أول سنة ف عمري مش 35 سنة.

ثم غنت بدلال: روح ربنا يخليك ليا
ويحلي صورتك ف عينيا
أنا فين ألاقي الحنية
اللي انت جيت و ادتهالي
روح ربنا ما يوم يبعدني
عنك يا من روحي واخدني
م الدنيا إيه هيعوضني
لو سبتني حتي ثواني

فابتسم وقال بتصنع: امم! وبعدين ف المنافسين دول بأه!

فضحكت فنظر لها وقال: أول مرة شوفت عنيكِ فيها وخطفتني أوي، بآيت مدمن عنيكِ، بس إنتِ وقتها بأه كنتِ على طول بتبصي للأرض، كنتِ عايزة تهربي مني!

– المهم دلوقتي مع مين وف حضن مين!

– ملاكي حبيبي ملكي أنا وبس ولا يمكن يتساب.
ثم دندن وهو يتمايل بها وهي بين ذراعيه :
ده لو اتساب لا ده انا يجيلي تعب أعصاب
ده لو اتساب ليلة ليلتين أنا أعيش في عذاااااب
طب واعمل إيه!
في دقيقتين ده بيقتلني وياخد العين
عيني يا ليل لا كده جنان لا ده مش إعجااااااااب
طب و اعمل إيه!
أنا عمري ما حد خطفني كده ده أخدني حبة حبة
في حاجات مش ممكن تستخبي ما بين اتنين أحبة
في دلع متشال لحبيبي وحنية من غير حساااااااب
طب واعمل ايه!
الليلة فوق عدي قمر من كتر الشوق
شدني ليه كل مااقرب منه برووووق
طب واعمل ايه!

فضحكت فنظر نحوها رافعًا حاجبيه ثم حملها على فجأة و ذهب بها.. وصوت ضحكاتهما يشق سكون الليل.

وفي الصباح استيقظت وذهبت إلى عملها ومعها الطفلة وحصة بعد حصة ذهبت تجلس شفق إستراحة في حجرة المدرسين فجاءها مرسالًا من المديرة وكانت تحبها وتُكِن لها كل تقدير وما أن وصلت المكتب ودخلت حتى وجدت وليد جالسًا منتظرها فارتبكت قليلًا.

هتفت المديرة: تعالي يا شفق، مالك؟

كان وليد ينظر لها مبتسمًا بنظراتٍ يغازلها بها وهي تحاول تجنبها؛ فذلك ليس وقته ولا مكانه!

تابعت المديرة: إنتِ إنهاردة خلصتِ جدولك مش كده؟

أومأت شفق: أيوة فعلًا، بس في حصص لبعض الزملا هدخلها مكانهم، أصل عندهم ظروف خاصة.

– لا معلش ما تخشيش مكان حد! إنتِ معانا هنا من سنين وعمرك ما غِبتِ ودايمًا بتخشي حصصهم، ويوم ما غبتِ ما حدش دخل مكانك، يبقى خلاص يا شفق حصصك وبس.

– حاضر هحاول يا فندم.

– المهم دلوقتي البشمهندس إستأذن وعايزك ف مشوار تقدري تتفضلي معاه.

كانت شفق واجمة لكن وليد أسرع وجذبها من يدها وهو يقول للمديرة: ألف شكر، بعد إذن حضرتك يافندم.

وخرج وليد ولازال ممسكًا يدها فتلفت حوله قليلًا ثم قبلها فجأة على خدها.

فتفاجئت وشهقت: هه! وليد! إحنا ف المدرسة!

– وأنا جوزك، لما تشوفيني بعد كده تسلمي عليّ مش تبلمي.

– أدام المديرة يعني!

– ولو أدام الوزير.

فضحكت ضحكة تكتمها بيدها وسار الاثنان معًا ثم ركبا السيارة وغادرا.

تحدثت شفق: بس إيه اللي طلعها ف دماغك وسيبت شغلك وجيتلي؟!

– وحشتيني يا ملاكي! وبعدين عيد ميلادك إنهاردة ولازم أحتفل بكِ.

فقالت بدلال: طب ماانت احتفلت إمبارح.

– وعايز أحتفل تاني وعاشر ، الأول نخرج خروجة سوا سوا أنا وانت ولا حد تالتنا.

– هنخرج من غير شفق!

– إحنا صحيح بنخرج كلنا مع بعض عادي، بس فوفا لازم تفهم إن من حقنا في خروجة لوحدنا كل فترة وتتعود على كده.

– أخاف تزعل، البنات بتتعلق بباها أوي.

– ما تخافيش.

– خلاص تبقى خروجة صغيرة عشان تعرف إن الخروجة الحلوة بتكون معاها وبس.

– إنتِ ما بتعرفيش تفكري ف نفسك أبدًا! وبعدين بالمناسبة ما تاخديش حصص زيادة من حد! كفاية عليكِ شغلك وبس! وماتقوليش زمايلك وماعرفش إيه، إنتِ ما تعرفيش دول قالوا عليكِ إيه وهم معزومين ف فرحك!

– سمعتهم.

وما أن قالتها شفق حتى توقف وليد فجأة بسيارته والتفت إليها عاقدًا حاجبيه بدهشة وصاح:وعادي كده! عامليهم زي ما بيعملوكِ!

فابتسمت وأجابت بهدوء: لو عملت كده هبقى أسوأ منهم، لو كذبت على اللي بيكذب عليّ وغشيت اللي بيغشني وخدعت اللي بيخدعني، هيبقي فيّ كل الوحش اللي فيهم كلهم.

فتنهد وقال: عارف إني مش هغلبك ف الكلام ولا ف عقلك وطيبة قلبك، وعارف إن عمرك ما هتكوني كده، بس حتى حاولي تتصرفي ببرستيج، ده إنتِ مرات وليد عوني يعني مش تشتغلي ف مدرسة لا ده أنا أشتريلك المدرسة.

فربتت على يده وقالت: تسلملي يا غالي.

– بتكلم جد، فكري واطلبي بس وشوفي أنا هعمل إيه!

– وأنا كفاية عليّ إني معاك وجنبك، ده عندي بالدنيا كلها.

– طب أعمل إيه واحنا في الشارع كده!

فضحكت ثم قال: بصي بأه يا ملاكي دلوقتي إنسي شفق وإنسي المدرسة وإنسي كل حاجة وماتفكريش غير فيّ وما تقوليش غير وليد وليد وليد وليد!

فضحكت وقالت: وليد وليد وليد وليد!

فجذبها نحوه وشبك يده في يدها وأدار سيارته منطلقًا بها، مر وقتًا رائعًا وهما معًا في مكانٍ رائع حتى عادا إلى البيت متشابكي اليدين ووليد لازال يدندن فوجدا هالة تنتظرهما لكن بوجهٍ مختلف يشوبه الغضب والقلق.

هتف وليد بقلق: في ايه ياماما؟ إحنا كنا ف مشوار.

فلم ترد بل التفتت تنظر بعينيها وهما يتابعاها بعينهما هو وشفق حتى توقفوا جميعًا عند نفس المشهد، فصاح وليد بفجأة: إنت!

الفصل الثامن عشر

عادا إلى المنزل بيدين متشابكتين ولازال وليد مدندنًا فوجدا هالة تقابلهما بوجهٍ مختلف يشوبه الغضب والقلق.

هتف وليد بقلق: في إيه يا ماما! إحنا كنا ف مشوار.

فلم ترد بل التفتت بعينيها فتابعها هو وشفق بعينيهما لحيث تنظر هالة حتى توقفوا جميعًا عند نفس المشهد.

صاح وليد باستياء: إنتِ!

كانت تجلس امرأة جميلة قمحية البشرة تعبث بشعرها الطويل المموج وبه بعض الخصل الملونة ووجها تكثر به مساحيق التجميل.

كانت هيئتها عمومًا مبتذلة خاصةً هذه الثياب الملتصقة بها، جلست تنفخ في دخان سيجارتها وما أن رأته حتى وقفت تنظر إليه وإلى شفق ولتلك الأيدي المتشابكة، فتحدثت: إيه يا وليد أنا مستنياك من بدري!

صاح وليد بحدة: خير يا مدام سها!

– ممكن كلمتين على إنفراد.

قالتها وهي تنظر ناحية شفق تتفحصها أما عن شفق فقد علمت من تكون، لكنها شعرت بوليد وبدقات قلبه المتضاربة تلك فلا تعلم إن كانت من أثر المفاجأة أم ماذا؟!

في تلك الأثناء نزلت شفق الطفلة مسرعة من غرفتها لتستقبل وليد وشفق وصاحت بسعادة: بابي! مامي!

فالتفت نحوها الجميع وانحنت شفق نحوها تحتضنها وتقبلها وفعل مثلها وليد لكن الجو كان مشبعًا بالتوتر والقلق.

نظرت الطفلة بينهما بعدم فهم ثم قالت: ينفع كده تسبيني وتمشي يا مامي!
فالتفت نحوها بوليد بفجأة فوجدها تنظر لشفق فتنفس بعمق وراحة.

أجابت شفق: معلش يا قلبي كنت ف مشوار مع بابي.

– كنت بحسبكم بتتفسحوا من غيري.

– يا خبر! هو ينفع نتفسح من غيرك برضو! تعالي يلا قوليلي عملتي إيه.

قالتها شفق ثم جذبتها وصعدتا معًا بينما دخل وليد لغرفة المكتب وتبعته سها بمشيتها المتغنجة بينما جلست هالة مكانها في ترقبٍ وقلق.

وداخل غرفة المكتب.
صاح وليد بجمود: خير!

فاقتربت سها ولفت بذراعيها حول رقبته وقالت بدلال: بأه دي مقابلتك لي يا ديدو بعد الغيبة دي كلها!

فنزع يديها بقوة وقال بجدية: من فضلك! ياريت تنجزي.

– مش كفاية روحت واتجوزت عليّ!

– إيه! اتجوزت على مين؟! إنتِ مصدقة نفسك! إنتِ طليقتي ومن سنين! ياترى إيه اللي فكرك بينا؟!

– مالك بأه دمك تقيل كده ليه؟

– ياريت تقولي عايزة إيه!

– إده! شكلك لسه زعلان مني!

صاح وليد بتأفف: اللهم طولك يا روح! على أساس إنك دوستِ على صباعي وإنتِ معدية! إنتِ نسيتِ عمايلك ولا إيه؟ نسيتِ عملتِ فيّ إيه! ف أمي! ف بنتك اللي استهتارك كان سبب مرضها! وختمتيها بخيانة! إحمدي ربنا إنك لسه عايشة وما سيحتش دمك وما كنتش هاخد فيكِ ساعة واحدة سجن.

فقالت وهي تحاول الإقتراب بدلال: ده إنت قلبك إسود أوي!

صاح وليد رافعًا يده محذرًا: إيدك من فضلك! وياريت تقولي جاية ليه م الآخر! وإيه شُنطك اللي جيباها معاكِ دي! وياريت بسرعة عشان صبري له حدود.

– بصراحة حصلتلي مشاكل كتير واضطريت أبيع الشقة والعربية وكل حاجتي وبآيت لوحدي وزي ماانت عارف مامي عايشة برة ولسه ماردتش عليّ.

– يعني عايزة إيه!

– أفضل هنا لحد ما ترد عليّ وتبعتلي، أنا ماليش حد تاني وكل صحابي ومعارفي اتخلوا عني، وبعدين هو مش من حقي أشوف بنتي!

– تشوفي مين؟ بنتك!  بنتك اللي كتبتِ على نفسك تنازل عنها مقابل شوية ملاليم! بنتك اللي أذتيها وكان الود ودك ماتشوفش الدنيا لأن سيادتك مش عايزة دور الأم اللي هيعطل معاليكِ عن خروجاتك وسهرك و صحابك! ده إنتِ حتى لما جت أدامك دلوقتي عينك ما اطرفتش ناحيتها! أمومة إيه بأه!

– يعني هتحرمني منها!

– قانونًا أقدر لكن إنسانيًا هسمحلك تشوفيها لكن مش لوحدك طبعًا، أنا أخاف على بنتي من أمثالك، غلطة عمري إني خليت أمها واحدة زيك، بس الحمد لله ربنا عوضني وعوضها بالخير كله.

– بس ذوقك بأه ف النازل أوي، بأه بعد ما تتجوزني أنا وتعيش معايا أنا تروح وتتجوز دي!

– إياك تنطقي إسمها على لسانك! واسمعي!  إنتِ هنا مجرد ضيفة، يعني مالكيش لا دور ولا كلمة ولا أي حاجة، وإياكِ تحاولي تتعرضي لماما ولا للشفق ولا لشفق بنتي، أظن الكلام مفهوم!

فضحكت باستفزاز وقالت: إده! ده إنتوا واخدين توكيل الإسم بأه! تلاقي مامتك اختارتهالك مخصوص عشان إسمها على اسم المرحومة بنتها، بأه وليد عوني يتجوز دي!

– قُلت إنك ضيفة والضيف لا بيقول ولا بيعيد ولا له رأي أصلًا، تقدري تروحي الأوضة اللي جنب السلم عشان تقعدي فيها.

فذهبت على مضض وحملت حقائبه، مرت من أمام هالة نظرت إليها ثم صعدت وتابعتها هالة بنظرها في غضبٍ شديد حتى خرج إليها وليد.

فصاحت هالة: إنت إزاي تسيب الحية دي هنا؟!

– عندها مشكلة ومحتاجة مساعدتي.

– يا حنين!  إنت إيه! نسيت عمايلها بالبساطة دي!

– أنا قُلت هتقعد ضيفة ما قولتش هردها.

– وانت بأه خال عليك الحركات دي! ما تحطش البنزين جنب النار!

– من فضلك يا ماما ما تكبريش الفكرة ف دماغي!

– والله! شكلك مش هتجيبها البر، بس أحب أقولك إنك لو ضيعت مراتك منك عمرك ما هتلاقي ضفرها.

– أنا مش فاهم إيه لازمة الكلام ده! عل إذنك أنا طالع أغير هدومي، خليهم يجهزوا الغدا.

انصرف وليد وترك أمه في همها وقلقها.

أما سها عقب دخول غرفتها وقفت أمام المرآة تتطلع إلى نفسها وهيئتها ثم ابتسمت وتحدثت بسخرية: بأه دي اللي روحت تتجوزها يا وليد!
ضحكت بسخرية وأكملت بتعالي: دي ولا حاجة جنبي، والله لفكرك بكل ليلة معايا وأخليك تلف حوالين نفسك وتتمنى ترجع ولو للحظة معايا! وساعتها بأه هوريك…
ثم ضحكت مجددًا وتابعت: والله ما هاتاخدوا ف إيدي غلوتين خصوصًا أم خيمة اللي جايبها دي!
وأكملت ضحكها…

دخل وليد غرفته فوجد شفق جالسة على حافة السرير شاردة ولم تبدل ملابسها بعد.

تنهد وليد قائلًا: إيه القاعدة دي!

استعادت شرودها قائلة: هه! لا عادي، كانت عايزة إيه طليقتك؟

– لا أبدًا، عندها شوية ظروف فهتقعد هنا لحد ما ربنا يفرجها.

– ولو ما فرجهاش!

فصاح بغضب: هو إنتوا إيه حكايتكم إنهاردة معايا!

– طب الحمد لله مش لوحدي يعني.

– باقولك ايه! أنا ما بحبش الطريقة دي والسكة دي ما بتمشيش معايا وعمر دراعي ما بيتلوي، تمام! حصليني بأه عشان الغدا.

فبدل ملابسه وانصرف ثم بدأت في البكاء، تصادف نزول وليد نزول سها في نفس الوقت بهيئة أكثر ابتذالًا، فهبطا معًا يحكيان وبدأ صوت ضحكاتهما يعلو.

ذهبت هالة إلى شفق في غرفتها فوجدت آثار البكاء في عينيها، زفرت هالة قائلة:حلو أوي ده! قاعدة بتعيطي حضرتك!

– مش قادرة ياماما! من ساعة ما شوفتها وأنا بتحرق من جوة، وكمان وافق تقعد هنا!

– بأه بتتحرقي لما شوفتيها وبس! أمال لو شوفتيهم دلوقتي و هم منسجمين مع بعض وهاتك يا ضحك ولا لبسها اللي مش لبساه!  كنتِ عملتِ إيه! ولعتي ف نفسك بأه!  إنتِ شايفة إن الحل إنك تغضبي وتعيطي وتنكدي على نفسك وتفضلي قاعدة هنا!

– أمال أعمل إيه يعني!

– يا خايبة! إنتِ كده بتقدمهولها على طبق من دهب، دي حية وهتفضل تتدحلب لحد ما تنول غرضها ووليد عنيد وممكن يتصرف أي تصرف غبي عشان يعند وبس.

– إنتِ كده بتخوفيني أكتر، بس بس وليد بيحبني.

– فعلًا وليد بيحبك، وبيحبك أوي كمان، عمري ما شوفت إبني ف حالته دي أبدًا ولا حتى أيام ما كان متجوزها، بس ما ينفعش تبعدي كده لازم تفضلي ف النص بينهم عشان ما ينساش وجودك مش تقفلي على نفسك وهاتك ياعياط! عمره ما هيجي بالضغط وهيعمل العكس عندًا فيكِ لو حس إنك بتقيديه ولا بتلوي دراعه، لازم تبقي واثقة ف نفسك، ده مفيش أي وجه مقارنة بينكم ده إنتِ تمسحيها مسح.

– يعني وليد ممكن ينسي كل حبنا ده ويرجعلها من تاني؟!

– ظهورها ده بصرف النظر وراه إيه أكيد صحّا ف وليد ذكريات معينة ممكن كان نساها فعلًا، ماهو برضو أكيد كان في حياتهم أوقات سعيدة! وهو ده اللي هتلعب عليه وما ينفعش تسبيها تلعب لوحدها لازم تفضلي معاه عشان ما يعرفش يحن تاني، ونصيحة من أم مفيش واحدة تآمن لراجل مية ف المية أبدًا، بس لازم تعرفي تلعبيها صح وإنتِ كده كده ف قلبه وقلبي وقلب بنته يعني تكسبي، فكري بعقلك وهدي الغيرة شوية عشان مش وقتها، هحاول أعطل الغدا واتمنى ألاقيكِ معانا.

قبلتها وتركتها.
ظلت شفق في حيرة وتردد هل يمكن لوليد العودة لطليقته مرة أخرى؟! هل كان حبه لها أقوى من كل المشاكل التي حدثت فسيحن ويعود إليها؟! أم أن حبه لها هو الأقوى والأعمق وسيلجم وليد؟
تكاثرت الأفكار ولازالت تفكر في ماذا  تفعل!

(الفصل التاسع عشر)
بقلم:نهال عبد الواحد

جلست شفق تفكر في كلام هالة وتزاحمت الأفكار برأسها ثم فجأة وقفت وكأنما قررت أمرًا ما.

اتجهت شفق تقف أمام ملابسها وكانت لاتزال متحفظة في ملابسها استحياءً فلا تخرج من غرفتهارتها أبدًا إلا بثوبٍ محتشم.

لكن يبدو أنه قد حان الآن موعد التغيير، وقفت تنظر وتختار بعينيها حتى قررت ما سترتديه وأبدلت ملابسها بالفعل….

كان فستان ذات حمالتين، قصير حتى الركبة، ضيق من أعلى إلى الخصر وينزل باتساع وعاري من الظهر والصدر مظهرًا أنوثتها، أسدلت شعرها البني الطويل وتركته بشكلٍ مموج، وضعت بعض مساحيق التجميل ثم وضعت طلاء شفاه أحمر ناري ونثرت عطرها الفواح، ارتدت صندلًا ذات كعب عالٍ، نظرت لنفسها في المرآة واكتشفت أنها جميلة حقًا بل وتمتلك جسدًا أنثويًا مثيرًا.

وقفت عند باب غرفتها خلف الباب مترددة أن تخرج هكذا وشعرت بخجلٍ شديد من هيئتها المثيرة، لكنه الحل الأمثل للحفاظ على زوجها ممن لا تعرف الحياء.

كانت شفق قد تأخرت فاضطرت هالة لوضع الغداء بعد إلحاحاتٍ من وليد وهي حزينة من داخلها؛ فغيرة شفق هذه ليس وقتها.

جلس وليد على رأس السفرة، يمينه جلست سها وعلى يساره ترك الكرسي الأول فارغًا وبعده جلست الطفلة ثم هالة.

كانوا يأكلون ويتسامرون بمعنى أوضح سها ووليد هما المتسامرين وكأن سها قد ضمنت وليد وضمنت رجوعه لكنها مسألة وقت والغريب أنه لم يسأل عن شفق حتى الآن.

وبينما الجميع يأكل إذا بصوت لكعب حذاء مع صوت خلخال مع كل خطوة ثم رائحة عطر تفوح في المكان استنشقها وليد وهو يأكل فأغمض عينيه بابتسامة أظهرت طابع حسنه دون أن يلتفت بينما نظرت هالة والطفلة نحو شفق بانبهار وسعادة من هيئتها هذه، فهي تهبط الدرج كالسلطانات التي تجئ آخر المدعويين.

لكن سها وجمت وسقطت الشوكة من يدها وظلت جاحظة العين وفارغة فاها فلم تتوقع أن ذلك الحجاب يخفي الكثير لقد صارت المنافسة هكذا أصعب ما يكون.

أما وليد لم يلتفت بعد لكن لا يزال يستنشق ذلك العطر الرائع ومنصتًا لصوت تلك الخطوات بابتسامة لازالت على وجهه لكن على أية حال ذلك لم يتوقع هذه الهيئة إطلاقًا.

وصلت شفق إلى السفرة وانحنت ناحية وليد تقبله على خده فلحق بها شعرها فغطى وجهه.
قالت شفق بدلال: سوري اتأخرت.

فتفاجأ من فعلتها الجريئة التي لم يعهدها من قبل ففتح عينيه إليها ولم يصدق ما يرى وفجأته هذه أشد من الأولى فجذبها من يدها نحوه فاقتربت للغاية فهمس لها في أذنها بطريقة مغرية: وقعتك سودا! بأه مدارية كل ده عني!

فابتسمت متحرجة وتورد خديها فجذبها نحوه ثانيًا و همس في أذنها: اللوك ده ما ينفعش معاه كسوف خالص.

فلازالت مبتسمة وهمت بالجلوس مرة أخرى بجذبها نحوه مجددًا وهمس من جديد: قربي كرسيكي!

ففعلت وجلست فلم يبعد عينيه من عليها.

أهدرت الطفلة: شكلك حلو أوي يا مامي إنهاردة.

أجابت شفق: أصل إنهاردة عيد ميلادي.

صاحت الطفلة بسعادة: Happy birthday mum

أجابت شفق بحب: Thank you my pretty princess

فتحدثت سها بضيق: إده! إزاي عيد ميلادك إنهاردة ومفيش أي بارتي ولا هتعمليها آخر الأسبوع؟

قالت شفق: بارتي! ليه؟!

فصاحت سها مستنكرة: ليه؟!

تدخلت هالة: إحنا بطلنا البارتيهات اللي عمّال على بطّال والحمد لله!

أومأت سها بملل: امم!

فهمست الطفلة لشفق: مين الست الرذلة دي؟

أجابت شفق بهمس: شش! عيب!

قالت سها: وإنتِ عادي كده موافقة انه ما يتعملكيش عيد ميلاد؟

تابعت شفق: دي شكليات ما لهاش لازمة وماتفرقش معايا، وجود وليد جنبي بالدنيا وما فيها، وبعدين هو جاب لي هدية….
فمدت بيدها نحو هالة قائلة: شوفي يا ماما وليد جابلي إيه عشان عيد ميلادي!

ابتسمت هالة قائلة: عقبال ميت سنة يا قلبي ويعيش ويجيبلك يا حبيبتي.

فنظرت شفق لوليد وقالت بسعادة: تعيش وتجيبلي حبيبي.

فأمسك يدها وقبلها بعمق ثم بدأ يطعمها بيده وهو ينظر نحوها وكان يقصد إطعامها بيده ليتلمس شفتيها وهو يطعمها.

ظل وليد ناظرًا إليها وكأنه لا أحد ثالثهما فلم يعد وليد للالتفات حتى إنه ليحارب عينيه أن تطرف حتى لا تغيب عن ناظريه بتلك الهفوة.

أمسك وليد هاتفه واتصل ثم تحدث بجدية: آلو! خد الرجالة واطلعوا كلكم برة الجنينة والفيلا كلها وما حدش يدخل لأي سبب غير لما يتصل هو أو اتصل أنا، أدامكم عشر دقايق وبعدها اللي هلاقيه هقلعله عينه من مكانها!

وأغلق الخط وأكمل طعامه وإطعام زوجته ومداعبتها بغمزة من عينه حينًا أو بخبطة من قدمه متحسسًا ساقها حينًا أخرى.

وكانت سها تتابعهما بحقدٍ شديد فكأن هذا وليد جديد لا تعرفه أبدًا، انتهيا من الطعام ثم أخذ وليد شفق وخرج بها إلى الحديقة، مشيا معًا بأيدٍ متشابكة.

قالت شفق: اممم! عشان كده كلمت رجالتك يخرجوا برة!

– اممم! عارفة الإحساس بالتملك ده إحساس لذيذ أوي، كوني أحس إن حبيبتي ملكي، بتاعتي، ومش من حق أي حد حتى إنه يشوف جمالها ولا يلمحها غيري.

فابتسمت وسحبت عينيها من عينيه فرفع وجهها إليه من جديد وهو مقتربًا منها ناظرًا داخل عينيها، فهمس في أذنها بمكر: بس سوري، أنا اتعودت عل لوك ده، ماليش دعوة بأه.

فضحكت، فتنهد وأكمل بجدية: إوعي تشكي تاني ف حبي ليكِ، مش هنكر إني اتفاجئت بيها واتهزيت جامد وما بطلتش مقارانات من جوايا، بس عشان أأكد لنفسي إني كنت أكبر مغفل يوم ما وهمت نفسي إني حبيتها، بس الحقيقة إني ما حبتش غيرك وما اتحبتش إلا منك، هي عمرها ما حبتني وكنت بالنسبة لها منظر إجتماعي، الإكسيسوريز اللي بتتزوق بيها أدام صحابها، زوج مال وجاه وشكلي برضو يعني…

– قمر يا حبيبي!

فضحكا وتعانقا بشدة ثم ابتعد قليلًا وغنى وهو يتمايل بها وهي بين ذراعيه:
يا محلي الدنيا وأنا جنبك
يا كل أملي محتاجلك
حبيبي يا عمري ما تسبنيش
وحياة أغلى حاجة عندك
وما يحرمنيش منك وما يبعدنيش عنك

فاحتضنها، حملها ودار بها، ظلا يتحدثان ويتسامران وانتهى الوقت بأن حملها وصعد بها إلى غرفتهما.

وسها تتابعهما عن بُعدٍ بغيظٍ شديد وتتأكد أنه شخص آخر لا تعرفه.

وفي المساء وجدت هالة جالسة أمام التلفاز فجلست عندها فرأتها هالة بطرف عينها ولم تكترث لها واستمرت في المشاهدة و أكل التسالي.

سألتها سها: أمال وليد فين؟ هم خرجوا ولا إيه!

– لا ف أوضتهم.

– ليه؟!

فنظرت هالة نحوها دون تعليق وأكملت مشاهدتها، فأكملت سها: قصدي ليه يقعدوا لوحدهم كل ده؟

– واحد ومراته! وإحنا مالنا! الوقت إتأخر.

– وانتو بتفضلو قعدين كده!

– ما قُلت الوقت إتأخر، يعني الناس بتخش تنام، تصبحي على….

وتركتها فجلست سها تتأفف غيظًا منها ومن الجميع.

مرت أيام وأيام وسها لازالت معهم ولا يأبه إليها أحد فشفق تأخذ كل باله وكيانه وبمجرد إقتراب مجئ وليد من عمله تتبدل شفق لهيئتها المثيرة تلك.

وطوال وجوده في البيت لا يرى، يجلس أو يتحدث إلا معها وهذا زاد من غيظ سها؛ فقد تحولت لكائنٍ مهمل لا قيمة لوجوده، ومع ذلك لم تجلس أبدًا مع ابنتها بل لم تنتبه إليها أصلًا وبدأت تخرج من المنزل وذلك أقلق وليد وتكاثرت الأسئلة بشأن السبب لوجودها وترى ماذا تدبر!

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة الان