رواية ” المعجبة المهووسة” الفصل الحادى والثاني عشر للأديبة نهال عبد الواحد

الفصل الحادي عشر

قدّمت مها على إجازة؛ فهي لا تريد الاحتكاك بأحدهم لكن غيابها هذا قد أثار غضب جلال أكثر.

وقد استغلت هذه الأجازة لتعد نفسها للسفر فأتقنت اللغة جيدًا وجمعت معلومات عن الأماكن التي ستذهب إليها وترجمتها لتتقن التحدث عنها.

ولم يؤرقها تلك الفترة سوى رسائل رامي التي لا تنتهي والتي قررت عدم الرد عليها ربما يفهم ويبتعد، لكن يبدو أنه موصوف لها ظهور الكائنات اللزجة في حياتها!

سافرت مها بالفعل مع الفوج في أولى رحلاته إلى الأقصر و أسوان…. ومن لم يعشقهما؟

فهما مدينتان من المدن السياحية والأثرية فالأقصر من أكبر المدن التي تحتوي على كَمٍّ من الآثار مثل: وادي الملوك، معبد الأقصر، معبد الكرنك، معبد الدير البحري (للملكة حتشبسوت)، معبد الرامسيوم،…
وغير ذلك من الأماكن الأثرية الرائعة.

أما عن أسوان ففيها معبد أبي سمبل وستكون المصادفة أجمل إن كانت زيارته في يوم تتعامد فيه الشمس على تمثال رمسيس الثاني وذلك بمثابة حدثٍ عالمي، وماذا عن روعة نهر النيل الخالد في أسوان وعن جمال الرحلات النيلية بالإضافة لزيارة السد العالي ومتحف النوبة والتعرف على أهل النوبة و رؤية حياتهم، عاداتهم ومنتجاتهم… كم هو رائع حقًا!

ولن أحكي عن جمال الجو والشمس الساطعة في تلك المدينتين، ذلك الجو الذي يعشقه السائحون ونعشقه نحن كمصريون أيضًا خاصةً في فصل الشتاء.

لقد استمتعت مها كثيرًا مع السائحين طوال فترة بقاءها معهم فقد تعلمت واستفادت كثيرًا خاصةً أثناء بحثها عن معلومات تخص تلك المدينتين ولا شك أن الرؤية والزيارة أكثر متعة بعد جمع المعلومات.

ثم انتقلت مها مع الفوج للرحلة إلى شرم الشيخ فكانت مع السائحين ففي النهار حيث نشاطاتها مع الأطفال وليلًا في حفلات السمر وذلك غير الرحلات اليومية فهذا يوم للألعاب المائية، وذلك لسانت كاترين ومشاهدة شروق الشمس من فوق أعلى قمة في مصر، ويوم آخر للرحلة البحرية من أجل الغطس والسباحة في عرض البحر ومشاهدة جمال الأحياء المائية والشعب المرجانية النادرة.

كانت مها تشاركهم في جميع نشاطاتهم بسعادةٍ بالغة قد أنستها كل شيء حتى أنها أنستها لزاجة رامي ذلك.

كان جلال وياسين يتابعان أخبار الافواج ويتصفحون الصفحة الرئيسية للشركة على موقع التواصل الاجتماعي وقد انتبها وبالتحديد جلال إلى تلك الصورة التي نُشرت والتي فيها رامي جانب مها يضحكان.

وما أن رآها جلال حتى استشاط غضبًا وأقام الدنيا ولم يُجلسها، وودّ لو يخنق ذلك الرامي بيده وراجع نفسه كيف سمح لها أن تسافر لهذا السفيه؟!

ووسط عاصفة غضبه نادى على نهى بصوتٍ قوي وبرغم أن نهى قد اعتادت على طريقته وأسلوبه فلم تعد ترتعد منه لكن مع ذلك الصوت الفجائي بقوة دخلت مسرعة إليه، وقبل أن تسأله صاح فيها بثورة: احجزي لي على أول طائرة ذاهبة إلى شرم الشيخ واتصلي بهم ليعدوا غرفتي في الفندق.

زمت نهى شفتيها قائلة: لكن البرنامج أوشك على الانتهاء فلم يتبقى سوى ثلاثة أيام وسيعودون.

فصاح فيها: هل ستناقشيني؟ قلت إحجزي إذن فلتحجزي فورًا.

– فلفترض أني لم أجد حجزًا، فماذا يتوجب عليّ فعله وقتها؟

– عليكِ التصرف، كل ما يهمني أن أجد نفسي صباح الغد هناك على الأكثر.

خرجت نهى من مكتب جلال في حالة من الارتباك الشديد، تتمنى أن تتوفق في ما طُلب منها ثم خرج إليها ياسين.

فسألها بتعجب: أذلك كان صوت جلال؟

فأومأت مؤيدة فقال: ماذا حدث؟

فتأففت قائلة: يريد أن يكون صباح الغد على الأكثر في شرم الشيخ.

فأومأ قائلًا: إذن قد رأى الصورة.

فأومأ برأسه وقال: لقد أخطأت خطأً كبيرًا.

عقدت نهى ساعديها أمام صدرها قائلة بعدم رضا: ماذا؟! لا لم تخطئ! الصورة طبيعية للغاية، هي واقفة مع مجموعة من الأطفال وتضحك وهو المقتحم وذلك واضح للغاية، هو الذي ينظر إليها ويبتسم، لم نجد مثلًا صورة لهما في مشهدٍ عاطفيّ أو ما شابه ذلك، ثم هو ليس له أي حق ليقول أو يحكم على تصرفاتها! بدايةً كاد يجن قبل أن تكترث له ولم تكن تقصد وقتها والآن هو من يتجاهلها وعن قصد ويتعامل بها ببرود ولامبالاة، آه منكم يا معشر الرجال!

فنظر لها ياسين بابتسامة تفهم مغزاها ثم شرد قليلًا وقال: ليت تلك السفرية تمر على خير.

تابعت نهى برومانسية: أو مثلاً ينطق ويتصرف مثل خلق الله.

– هل تظنين ذلك؟

– ولم لا؟!

وظلت نهى تبحث عن حجز لجلال حتى وجدت.

في شرم الشيخ.
في الصباح بعد تناول الإفطار وكانت مها تمرح وتلعب مع الأطفال سواء لعب عشوائي أم مسابقاتٍ منظمة أو فقراتٍ قصصية عبر مسرح العرائس.

كم كان هذا ممتعًا ليس فقط للأطفال بل للكبار أيضًا خاصةً ذويهم وكانت مها مستمتعة تمامًا بذلك الدور.

وبينما مها تلعب مع الأطفال إذ انتبهت لصاحب عينين تحملقان بها وتتابعها بدقة فتوقفت مكانها فجأة ورفعت حاجبيها في دهشة وخلعت نظارتها الشمسية.

كانت مها مرتدية ما يتناسب مع السواحل والمصايف خاصةً شرم الشيخ، فكان فستان بحرٍ قصير دون أكمام وكانت بشرتها قد اصطبغت قليلًا بلون برونزي مائلًا للإحمرار بفعل الشمس ربما قد أعطى لها ذلك رونقًا خاصًا وعلى رأسها قبعة كبيرة.

تقدمت مها في خطواتها وهو أيضًا متقدمًا نحوها في خطوات أسرع قليلًا واضعًا يديه في جيبيه مرتديًا سترة صيفية مع بنطال قصير والغريب أنه يرتدي لونًا غير الأسود.

فلما اقتربا كلًا منهما للآخر وتصافحا، تحدث جلال بمزحة وكانت مها تراه لأول مرة يمزح وربما هي المرة الأولى التي يمزح فيها على الإطلاق: إلى متى ستحملقين في هكذا؟ هل تعجبك هيئتي لهذه الدرجة؟

أجابت بارتباك: أجل، أقصد عادي، أقصد أن هذه المرة الأولى أراك مرتديًّا ملابس شبابية ولونًا غير الأسود بل ولونًا فاتحًا، أراك تصالحت مع نفسك، أقصد أقصد حمد لله على سلامتك سيد جلال.

– سيد جلال! نحن لسنا في الشركة يمكنك قول جلال هكذا بلا ألقاب.

فأومأت موافقة بحماس ثم قالت: لكنها مفاجأة حقًا!

– ترى وما نوع المفاجأة؟

– لقد قلت مفاجأة وليست صدمة.

فضحك وقال: ماكرة!

فاندهشت وهي ترتدي نظارتها الشمسية مرة أخرى وقالت: هذه المرة الأولى أراك فيها تضحك هكذا.

– هل تعني أني كنت عابس الوجه؟

– أُفضل عدم التعليق.

فضحك ثم قال: قد وصلت الإجابة، ثم قال: كان المفترض اليوم أن تكون رحلة دهب أليس كذلك؟

أومأت مها:أجل، لكن قد أُجلت للغد، بالأمس كانت الرحلة البحرية ورحلة دهب مرهقة لذلك جعلنا اليوم راحة…
ثم أكملت بلهجة مختلفة: ربما تأجلت لتكون معنا، هل ستجئ معنا؟

ابتسم جلال وسألها: ماذا تريدين أنتِ؟
فسكتت.

– قولي! لو قلتي تعال سأذهب معكم.

– كأنك تحتاج لمن يدعوك مثلًا!

– أحتاجك أنتِ من تدعيني للمجئ.

فردت بطريقة محاولة إخفاء حالة التوتر والارتباك التي تزداد: بالطبع عادي.

– ألن تقولي تفضل؟!

– تفضل.

– لم تقولي بعد.

– ماذا؟

– أيهما أفضل هيئتي هذه أم هيئتي الرسمية؟ أيهما أحببتي أكثر؟

فشردت قليلًا وتنهدت بتلقائية ثم ردت بصوت خافت أو كما ظنت أنه غير مسموع: أحببت الاثنين.

فابتسم جلال بسعادة فقد سمع الإجابة ثم مد يده ونزع نظارتها الشمسية وقال: أريد رؤيتهما وأنتِ تتحدثين.

فابتسمت لكن قد أتى رامي ليرحب بجلال فصافحه وقال: أهلًا سيد جلال، لقد أسعدتنا زيارتك لنا.

أجاب جلال بجدية ورسمية وقد عاد لملامحه الجليدية: شكرًا، قد عرفت أنه قد أُجلت رحلة دهب للغد.

أومأ رامي: أجل سيدي ربما كان ذلك لحسن حظنا حتى تكون معنا.

فرد جلال وهو ينظر ناحية مها التي صمتت بمجئ رامي وقال: أكيد.

أتى بعض نسمات الهواء فأطارت بقبعة مها وتناثرت بعض من خصل شعرها على وجهها فمد رامي يده ليرفع تلك الخصلات فإذا بيد قوية تمسك يده وتدفعها بقوة مع نظرة حارقة بتوعد من جلال.

نظرت مها بينهما وشعرت أنها كهيئة الواقفة بين شابين يتشاجران ويتراهنان عليها وقد أشعرها ذلك بالإهانة فجذبت نظارتها من يد جلال وانحنت أخذت قبعتها وانسحبت من بينهما.

اختفت مها طوال اليوم حيث ذهبت إلى غرفتها ولم تخرج منها سوى ليلًا وقت وجبة العشاء مرتدي فستان قصير حمالات ليس خاص بالسهرات إنما بسيط ومناسب لمثل هذه الحفلات رافعة شعرها للأعلى.

جلست وحدها تتناول العشاء ثم اتجهت إلى مكان حفلة السمر حيث أصوات الموسيقي الصاخبة، وقفت تشارك الأطفال، رقصت معهم بسعادة كأنها طفلة مثلهم.

ثم أقبل إليها رجلًا أجنبيًّا مسنًا وتراقص معها مثل الأطفال وقد فعلت وكان الرجل سعيدًا للغاية، لكنها فجأة وجدت أمامها رامي يراقصها فتمايلت قليلًا ثم انسحبت من أمامه عائدة وسط الأطفال.

وكان جلال جالسًا بعيدًا متابعها ويتناول شرابه كأسًا بعد كأس زافرًا دخان سيجارته غضبًا خاصةً لمن تجرأ وتراقص معها، ذلك الرامي!

بدأت الأجواء تهدأ، انتهت الحفل وانسحب الجميع للنوم خاصةً وأن التحرك سيكون في الصباح الباكر فلا سهر اليوم فالغد يومًا مرهقًا وطويلًا.

وذهبت مها هي الأخرى إلى غرفتها وما أن وصلت للطابق الذي فيه غرفتها وسارت قليلًا حتى فجأة، شخص ما كمم فمها بيده ثم جذبها نحو غرفته….

(الفصل الثاني عشر)

ما أن وصلت مها إلى الدور الذي فيه غرفتها وسارت قليلًا حتى جذبها شخص ما من ذراعها على فجأة وكمم فمها بيده وجذبها نحو غرفته.

صرخت صرخة مكتومة، انتفضت وأغمضت عينيها خوفًا وبعد قليل فتحتهما فرأته أمامها مغلقًا فمها بيد ولاويًا ذراعها للخلف بالأخرى وهي تحاول الهروب من بين يديه.

فنبس من بين شفتيه بحدة: إصمتي!

لكنها قامت بِعَضِّ يده بقوة فنزع يده متألمًا لكنه مازال ممسكها بيده الأخرى وأكمل بغلاظة: ماهذا؟

-بل ما هذا الذي تفعله أنت؟!

-أراكي تتصرفين بحريتك دون مراعاة لأي شيء!

– أجل، أتصرف بحريتي لأني حرة ما دمت لا أرتكب أخطاء، ماذا جرى؟ كنت أرقص مع الأطفال وذلك الرامي هو من أتى وفرض نفسه أمامي، ثم ما شأنك أنت؟!

– لا بل شأني! أنتِ ملكًا لي فقط، ومن يقترب منك أنسفه ومن ينظر إليك سأفقأ عينيه.

– هذا ليس من حقك، كل مالديك عندي هو عملي ليس إلا.

– لا، أنتِ ملكي.

– بل ملك نفسي.

– لا! أنا قدرك! قدرك الذي جعلك تتعلقين بي وتحبيني حتى من قبل أن تريني أو تعرفيني.

– وهذا من حمقي، أفسح لي فأنت لست في وعيك.

– لا أنتِ لي أنا.

– أفسح لي لقد كرهتك وكرهت نفسي.

فشدد قبضته عليها وقال: قلتُ لكِ أنا قدرك شئتِ أم أبيتِ، ولا أحد يهرب من قدره، ولا تقولي كرهتك هذه؛ فليس من حقك!

فبكت قائلة: ليتني لا رأيتك أو عرفتك ولا سمعت صوتك ولا……
وازداد نحيبها وبكاءها فاحتضنها بقوة وأكملت بكاءها بين ذراعيه وبعد قليل ابتعدت عنه تدفعه وتضربه بكلتا يديها في صدره مرددة: كرهتك وتعبت منك، إبعد عني إتركني!

– قلتُ إياكِ وكلمة كرهتك! فلا يمكن أن تحبي غيري أو تكوني لغيري هل تفهمين؟!

ولازالت تضربه بضرباتها تلك التي لا تؤثر فيه وهي تبكي خائفة منه ومن هيئته لكنه لازال يطوقها ويحاصرها بين يديه حتى اصطدمت بالحائط من خلفها وركّز بناظريه نحو شفتيها وفجأة إذا به يقبلها!

لكن ما كانت إلا لحظة ودفعته وهي منقطعة الأنفاس ثم لطمته على وجهه فاختل توازنه وسقط أرضًا.

خرجت مسرعة متجهة نحو غرفتها ثم دخلت مغلقة الباب بظهرها ثم سقطت جالسة على الأرض تتلاقط أنفاسها بصعوبة كأنما قد جاءت ركضًا من مكانٍ بعيد وبكت بشدة واضعة يديها على وجهها ثم تذكرت تلك القبلة فتلمست شفتيها معاودة البكاء من جديد.

لقد صُدمت فيه! أهكذا ينظر إليها؟! أهكذا هي قيمتها ومقامها عنده؟!

أتمزق قلبي وليس من حقي حتى أن أشكو، ما الذي أحدثته بنفسي؟! هل أغذي حبي من الألم؟ فلن ينتهي ألمي مادام حبي باقيًا! إلى متى أتحملك وأتحمل كل هذا؟ هل ينبغي أن أتحمل الوجع لمجرد أني أحب؟ أم سأظل بين الهموم دائمًا؟! هل سأظل أحترق هكذا؟ أطير وأحلق ثم فجأة أسقط في السراب! يا ويلتي ماذا أحدثت بنفسي؟!

أما جلال فظل جالسًا على الأرض من أثر دفعتها واجمًا غاضبًا، ينتوي الانتقام منها ثم نهض واقفًا لكنه لم يتحرك بل ثبت مكانه، هل هو في حلم أو يقظة؟

تلفت حوله فرأى وجهها، أحوالها، انفعالاتها وضحكها، مزاحها، جدها، لعبها، ثورتها، بكاءها، وجهها، أنفاسها و.. وشفتيها…
ثم تلمس شفتيه بيده محاولًا استرجاع تلك اللحظة لكنها مشوشة كالحلم.

ماذا دهاك يا جلال؟!

فالكثيرات قد مررن عليك وكان الأمر ينتهي ويذهب فما الذي حدث لك هذه المرة؟

هل لأنك الأول في حياتها بل الأوحد؟ أم لأنك….
اعترف حتى ولو لنفسك فأنت تحبها بل تعشقها وكأنك قد مرضت بها لكن لا تود الشفاء أبدًا لذلك بدت مختلفة المذاق.

ظننت أني بلا قلب لكن اكتشفت أن لديّ قلب وملئ بحبك ولا أدري متى ولا كيف؟ إن كان لديكِ مثل هذا الحب فتعالي وعودي إليّ، ويا ويلي عندما تلتقي عيناكِ بي! لِمَ لا تدركين، تشعرين أو تصبرين؟
أراكي خائفة وحائرة ربما تسعد روحك معي.
لكن أشعر بك فأنتِ أكثر من يفهمني، إن كنتِ كذلك فتعالي، عودي وخيّمي في قلبي مخيّما أبديًا.
لا تنظري إليّ هكذا وتظنيني مراوغًا فإن لم تمطري فلن أرعد.
ماذا لو تصبري وتتحمليني؟

جاء الصباح واثنانتهما لم يناما على اختلاف الأحوال والسبب.

هبطت مها من غرفتها مرتدية ملابس شبابية قصيرة عارية الذراعين والساقين مع حذاء رياضي حاملة على ظهرها حقيبة ظهر، كانت تحمل هم لقاءه ومقابلته لكنها عزمت على الجمود والتبلد معه.

دخلت إلى المطعم حيث وقت الإفطار ولكنها اكتفت بكوبٍ من القهوة ثم غادرت فلم يكن لديها أي شهية لتناول الإفطار، شعرت بألمٍ في رأسها فأخذت قرص من مسكنٍ ما.

أخبرتهم عندما يستعد الجميع يبلغوها ثم ذهبت تجلس وحدها عند حمام السباحة فلازال الوقت باكرًا و المكان خاليًا من النزلاء.

وقفت شاردة تنظر لصفحات الماء المهتزة بهدوء ثم جلست على أحد المقاعد مددت رجليها واستلقت بظهرها مرتدية قبعتها ونظارتها الشمسية.

وإذا بصوتٍ من خلفها: صباح الخير.

وما أن سمعته حتى هبت واقفة بغضبٍ شديد فأمسكها من ذراعيها وأجلسها وجلس جوارها.

تحدثت مها بجمود ناظرة أمامها: خيرًا!

– إهدئي أولًا لنتفاهم.

قالها جلال برفق لكنها صاحت رافعة سبابتها في وجهه: لا تفاهم! وإسمع جيدًا! ربما تكون مديري لكن ذلك في الشركة فقط ليس إلا، ولتعلم جيدًا أن ذلك آخر ما بيننا يا جلال وسأقدم استقالتي فور عودتي، فإياك أن تظن أنك تلوي ذراعي! أنا فتاة محترمة شئت أم أبيت! ولن أسمح لك أن تتعامل معي برخص ومهانة مرة أخرى!

كاد يغضب لكنه أهدأ نفسه ثم أخذ نفسًا عميقًا وقال: أنتِ أول من تجرأ عليّ هكذا، ليس الآن فحسب بل منذ كنتِ تتجاهليني من قبل وها أنتِ الآن تناطحيني بالكلام وتحدثيني نِدًا بند.

– أجل، فذلك بالطبع كل ما يهمك!

– إفهمي! اعلمي جيدًا أني لم أراكي رخيصة أبدًا ولم أتعامل معكِ من هذا المنطلق، لأنكِ غالية بل غالية جدًا، وإياكِ أن تذكري نفسك بمثل هذا الكلام مرة أخرى، أما عن الرخيصات فهن معروفات ولهن طرق أخرى للتعامل معهن، لن أخدعك وأمثل دور القديس الطاهر فحقًا قد عرفت الكثيرات، لكن أؤكد لكِ أنه منذ دخلتِ حياتي ولم أعد أعرف غيرك.

قوست مها شفتيها باستخفاف قائلة: والمفترض أن أصدقك، أليس كذلك؟

– أجل صدقيني، وليس أمامك غير هذا الحل، أتدرين لماذا؟ لأنكِ لم تتعلقي بجلال النوري ولا ماله ولا جاهه ولا سيطه أو حتى شكله، بل تعلقتي بأفضل جزء فيه، صحيح أنه صغير للغاية لدرجة كدتُ أنساه، لأنها لم تفرق مع أحد قبل ذلك لكنها قد فرقت معكِ انتِ ، أعلم أن طبعي غريب وصعب ولن أتغير في يومٍ وليلة، لكن يكفي أني أفكر في التغيير من أجلك أنتِ، فأرجوكي تحمليني واصبري عليّ.

صاحت بفرغ صبر: ثم ماذا؟ هل هذه طريقتك الجديدة لتأخذ ما تريده مني؟!

– لا بل طريقتي الوحيدة لأخذك كلك لي.

– وعن ما حدث منك ليلة أمس!

– لا أريدك أن تغضبي مني وأعتذر لكِ عن كل ما فعلته في حقِّك، ولاحظي جيدًا أن كلمة الاعتذار هذه غالية ولم تخرج مني من قبل، لكني لست بآسفٍ على ما بدر مني بالأمس، فلو عاد بي الزمن لفعلتها مرارًا وتكرارًا.

فخبطته على كتفه فضمها إليه ومسح على شعرها ثم جاء أحد العاملين بصينية بها فطور ثم وضعها وانصرف.

جلسا يتحدثان وهو يحاول إطعامها ببعض اللقيمات القليلة لكن ظلا يتحدثان ويضحكان ولصوت ضحكاتهما صدىً كبير بسبب هدوء المكان وإتساعه.

حتى جاء رامي وأخبرهما باستعداد الجميع فرمقه جلال بنظرة قوية تومئ ممنوع الإقتراب أو التصوير فشبك يده بيدها وسار بها حتى ركبا معًا.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة الان