رواية ” بعد الليل “الفصل الأول للأديبة نهال عبد الواحد

مقدمة

إسمها جمر
وشها بدر كيف الجمر
جلبها كيف البفتة البيضا
تجولش حليب ما يتعكِرش
أما النصيب و الجدر
ما بيتغيِّرش
مُلك و منظّمه سيده
ما تستهونش
مجادير الكون في إيده
إرمي همومك و ما تشيلش
و مهما يزيد السواد
كله بيخلص و يعدي
إذا كان عمر البني آدم نفسه
بينتهي و يعدي
تفتكر هتعيش طول عمرك في ليل!
لا واللي خَلَج الخَلْج
ده كله بيعدي
أصل الجمر ما يبانش جماله
إلا في الليل
يعني كل ما تسود أكتر
كل ما يزيد جماله
و اهي كده الهموم بتغيِّر فينا
بتزيد جمالنا و جوتنا
و تبيّن الصالح فينا
و تبين الرضِي و العفش من وسطينا
لكن اصبر ده الصبر جميل
واثبت على حالك مهما اتبدّلت بينا
ده والله بعد العسر يسر!
وجاله ربَّك على لسان نبينا
لا تخف إن الله معنا

_______________________
تنويه،🌸 كل الخواطر الموجودة بداخل العمل بقلمي نهال عبد الواحد.

🌸شخصية الكاتب هي أحد شخصيات القصة؛ فإن تشابه إسمه مع إسم كاتب حقيقي فهو من باب المصادفة؛ فلا معرفة بي بكاتب يحمل هذا الإسم .

🌸 اللهجة المستخدمة، اللهجة حقيقية وموجودة و لا شأن لي بعدم الإلمام بكل اللهجات.

🌸 بخصوص عادات وتقاليد المجتمع الصعيدي، أعلم جيدًا أن الكثير من المدن والقرى قد اختفت منها هذه العادات، لكن هذا لا يعني أنها قد اندثرت كليًّا، فلازالت بعض القرى متمسكة بهذه العادات، فرجاءً لا تعليق بشأن العادات أيضًا.
________________________
(بعد الليل)
الفصل الأول

ما أجمل القمر! لكن جمال القمر لا يظهر إلا في عتمة الليل، و يظهر بعد مرور فترة من سواد الليل الحالك حتى يظهر القمر بدرًا كاملًا متلألئًا في أبهى صوره.

في إحدى قرى الصعيد، في إحدى البيوت المتواضعة، بيت من طابق واحد بالإضافة إلى الطابق الأرضي و المندرة، البيت ليس فخمًا و لا لإحدى العائلات الكبيرة، لكن في الأفراح يكون الحكم لعادات وتقاليد العائلة.

يبدو على البيت من الخارج أن هناك حفل زفاف؛ فيوجد بضع فروع قليلة من النور الملونة وعلى باب البيت سيارتين للأجرة يركب فيها عدد من الناس ما بين رجال، نساء وأطفال مع أصوات أغاني شعبية تنبعث من السياراتين يخالطهما أصوات زغاريد، لكن لم يكن العدد كبير من المدعويين، كما أن البيت هادئ وهذا يعني أن هذا البيت بيت العروس وهؤلاء هم أهلها.

يبدو أن من سيذهب لهذا العرس قد اجتمعوا جميعًا فهاهي السيارتان تتحركان لتنصرفا، وصلت السيارتان إلى مدينة أسيوط أمام أحد صالونات التجميل الشعبية، وكان هناك سيارات أخرى للأجرة و سيارة ملاكي مزّينة بالشرائط الملونة و البالونات، يبدو أنها سيارة العريس.

نظرت اثنتان من السيدات إحداهما تبدو في بداية العشرينات قمحية اللون وهذا قد تبين من لون بشرة كفها؛ فوجهها مملوء بشتى أنواع مساحيق التجميل لتزيده بياضًا وحمرة تظهر بردَاءة، ترتدي فستانًا من اللون الأحمر ذات حمالات، مطرّز بالكامل بالخرز و الترتر اللامع و أسفل الفستان ترتدي (بادي كارينا) من اللون الفضي، الفستان ضيق نسبيًا مظهرًا بضة جسدها ومنحنياته، و على رأسها وشاحًا فضي مفرّغًا كالدانتيل تخرج منه خصلات شعرها المصبوغ باللون الأصفر الفاقع و تحمل طفلًا على ذراعها بيدٍ واحدة فشمرت عن  ملابسه ليظهر جسد الطفل.

أما الأخرى فامرأة في نهاية الثلاثينيات قمحية اللون و ممتلئة الجسد قليلًا و ترتدي عباءة سوداء مطرزة عند الأكمام و أسفل العباءة، وعلى رأسها خمار أسود يُبرِز من أسفله عقدة علوية من أثر العصابة التي تربط بها رأسها.

هرولت المرأتان إلى داخل صالون التجميل و خلفهما عن قرب رجلًا طويلًا في نهاية العشرينيات قمحي اللون مائل إلى السمرة و له شارب، يرتدي جلبابًا صعيديًا من اللون الرمادي و على كتفه شال رجالي، و خلفهم  شاب عشريني آخر يبدو من هيئته و بذته السوداء اللامعة التي يرتديها، شعره المصفف و الملتصق ببعض بفعل (الجل) أنه هو العريس، وكان أسمر البشرة، خلفه عدة نساء متزينات بطريقة و هيئة تشبه المرأة ذات الفستان الأحمر.

وبعد قليل تعالت الزغاريد و أصوات الطبول ثم خرجت العروس في يد عريسها و الجميع حولهما يصفقون و يرددون الأغاني الشعبية و أيضًا المرتبطة بالأفراح.

بعد قليل ركب الجميع و انطلقت جميع السيارات، و بعد فترة وصلت السيارات إلى قرية أخرى غير القرية الأولى و بعدها توقفت السيارات أمام بيت من عدة طوابق و هيئته أفضل حالًا من البيت الأول، مزينًا من الخارج بأعداد من فروع النور الملون بالإضافة إلى سرادق كبير بجانب البيت يجلس فيه الرجال و فرقة الإنشاد التي سيسهرون عليها.

وبجانب السرادق الكبير سرادق أصغر يبدو أنه خاص بالطبّاخ و معداته، حيث يخرج منه الرجال يحملون صواني الطعام الكبيرة و يدخلون بها إلى السرادق الكبير.

و مكان آخر بجانب البيت به نصبة لعمل الشاي و برّاد عملاق و عدد لانهائي من الأكواب الزجاجية الصغيرة التي تجئ فارغة و يذهب غيرها ممتلئ شاي.

وعلى جانب آخر عدد لا نهائي من النارجيلات و بضعة رجال، منهم من يتعهد تسخين الفحم وتحميته ومنهم من يتعهد المعسل، رص الأحجار و ربما يصحب المعسل أشياء أخرى….

دخلت العروس و النساء إلى داخل البيت بينما اتجه الرجال بصحبة العريس إلى السرادق، وصلت العروس إلى المكان الذي ستجلس فيه بصحبة النساء، فكشفت أمها (المرأة ذات العباءة السوداء)  عن وجهها، فظهر وجه مملوء بمساحيق التجميل الرخيصة الشعبية ذات الهيئة الجيرية و الألوان الصارخة، وشعرها الأسود مرفوع لأعلى في فورمة كبيرة غير متناسبة مع وجهها الصغير ولا عمرها، كما أن هذه التصفيفة غير متناسبة مع العصر الحالي من الأساس و فستان زفافها كبير ويبدو متسعًا عليها وغير متناسب مع جسدها الضئيل.

تبدو العروس فتاة صغيرة في الثامنة عشر من عمرها ظاهرًا على ملامحها الزعر، الخوف و القلق، تتحرك بؤبؤتيها في كل اتجاه تدور بين الجميع تنظر في وجوههم وتحاول قراءة ملامحهم، فأمها و امرأة أخيها بادٍ السعادة على وجهيهما، هناك وجوه تضحك و تنظر إليها وتتمتم، و أخرى تنظر إليها بتشفّي، وغيرها تنظر إليها و أنها لا تستحق هذه الزيجة.

أغمضت سوداويتيها فحتى تلك الطبقات الموضوعة على وجهها تصيبها بالضيق و تشعرها بوخزاتٍ داخل عينيها، لكنها ذهبت بذاكرتها و شردت بعيدًا عن الفرح و صخب النساء….

هاهي فتاة قد أنهت المرحلة الإعدادية، اليوم ظهرت شهادة آخر العام و قد حصلت على الترتيب الثالث على مستوى مدرستها، دخلت البيت سعيدة مرتدية كنزة مزركشة، تنورة سوداء طويلة و حجاب من اللون الوردي ينير ملامحها الملائكية الهادئة، خاصةً وأنها كانت حريصة دائمًا على إخفاء جميع خصلات شعرها الأسود تحت حجابها بعكس غيرها من الفتيات قريناتها أو حتى من تكبرنها في العمر.

جاءت من الخارج في قمة سعادتها تقصد الباب الداخلي للمندرة فأبوها يجلس بالداخل، طرقت الباب وانتظرت فسمعت صوت الأب آذنًا بالدخول، فتحت الباب قليلًا و أطلت برأسها تنظر لداخل المندرة إن كان هناك أحد الضيوف، فجاءها صوت أبيها الضاحك: تعالي يا جمر ماحدش إهني.

فدخلت يزيّن وجهها الجميل ابتسامة النجاح واضعة يديها الممسكة بشهادتها خلف ظهرها تخفيها قائلة: إزيك يا بابا؟

فقال و هو يضيق عينيه و يميل برأسه يريد أن يستكشف ما تخفيه عنه ابنته: دسّة إيه وراكِ يا بت بوكِ؟

فابتسمت قليلًا ثم أظهرت الشهادة و قدمتها له، فأخذها الأب وقرأ ما فيها متهللًا، ثم رفع نظره نحو ابنته و فتح ذراعيه لها فأسرعت بين أحضان أبيها و وقال مربتًا عليها: ألف مبروك يا حبيبتي، ألف مبروك دايمًا رافعة راس أبوكِ.

فرفعت رأسها نحوه وقالت مبتسمة: طبعًا طبعًا، ده انا بت أبوي حسّان المنصوري، و ربنا يجدرني دايمًا وافضل رافعة راسك.

فقبّل جبهتها و أبعدها برفق وقال: هه، و ناويه علي ايه يا بت المنصوري؟!

فالتمعت سوداويتيها بأملٍ حالم قائلة: نفسي أكون حاجة كَبيرة و تتشرف بيّ وسط الخلايج، نفسي أكمل و أدخل الجامعة.

وهنا دخل أخوها من باب المندرة المطل على الشارع، فنادى عليه أبوه بحماس: تعالى يا ضيا وبارك لاختك، جمر نجحت و طلعت الألفا.

فذهبت قمر نحو أخيها ضياء فعانقها، قبل جبهتها و قال لها: مبروك يا بت أبوي.

فأجابت بمشاكسة: يدّك ع الحلاوة يا ابو خويّ.

فقال لها ناهرًا: حلاوة إيه دي! هو مين يدي لمين؟ أنا جوازتي خلصت اللي معاي كله.

فضحكت و احتضنت أخيها من خصره وقالت: الله يعينك ويجويك يا خوي! بهزر معاك والله!

فقال لها مشاكسًا: هزار بَهيمة كله عض و رفس.

ثم اعتدلت واقفة وقالت: لا لا، خلي بالك الأوضاع عتتغيِر خصوصي لما أبجا دكتورة.

فقال أخوها باستخفاف: دكتورة حتة واحدة!

فقال الأب ناهرًا: بس ياض!

ثم نظر لابنته وقال بفخر: طب اعمليها يا جمر و أنا معاكِ يا بنيتي لحد ما تجولي أنا اسكتفيت علام يا بوي.

فتدخل ضياء قائلًا: علام إيه و دكتورة إيه! هو كفاية سنتين تعليم متوسط و تخلص و تتجوز.

فصاحت: جواز إيه! مش هتجوز بدري!

فأجابها ضياء: أمال إيه! لما تبوري و تجعدي ف جرابيزنا! كل بنات عمك إتجوزوا ومافاضلش غيرك، خلْصي السنتين دول و ياجي ابن الحلال و يشيل.

فقالت معترضة: ليه يا ضيا؟! هو أنا تجيلة عليك للدرجة دي وعايز تخلص مني وترميني؟!

فقال: أرميكي لما اجوزك! البت مالهاش غير بيتها و جوزها، وانت أها إتعلمتي و كله تمام.

فقال الأب متدخلًا: ما ليكش صالح انت ياضيا، بتي تعمل اللي يلد عليها.

فقال ضياء بحنق: يا بوي هو إحنا كد مصاريف الثانوي ولا الجامعة.

فقال الأب: ربك الرزاج.

فأكمل ضياء باستخفاف: م الدكانة دي!

– الدكانة دي هي اللي ربتك و كبرتك، الرزج يا ولدي مش بالكَتير الرزج بالبركة اللي ربك عيحلها عليه.

فقالت قمر: وأنا أوعدك يا بابا إني هذاكر واجتهد على اخر ما عِندي، وعحاول ما اكلفكش مصاريف زيادة.

فقال الأب: ما تنعيش هم إنتِ، ربنا رزجه واسع.

ثم ضم ابنته.

وتمر الأيام و تلتحق قمر بالفعل بالمرحلة الثانوية و تبذل كل جهدها في المذاكرة و المحافظة على تفوقها و مرّ العام الأول و هي على وعدها لأبيها و تفوقها، ولازال الأب فخورًا بابنته، ولازال الأخ حانقًا من كثرة أعباء المصاريف خاصةً بعد أن رُزق بطفلة و الثاني في الطريق.

والتحقت قمر في عامها الثاني الثانوي وهي في نفس تفوقها، لكن ليس دائمًا ما يريده المرء يتحقق.

فذات يوم جاءت قمر من المدرسة فوجدت دكان والدها مغلق و علمت أنه قد ذهب لإحضار بضاعة جديدة، فبدّلت ملابسها و جلست قليلًا تلعب مع ابنة أخيها فامرأة أخيها مشغولة بطفلها الصغير و أمها في المطبخ تعد الغداء و أخوها لم يأتي بعد من عمله.

ثم فجأة سمعن صوت ضجة بالخارج و أصوات رجولية مختلطة ترتفع بالتهليل و الإسترجاع (قول لا إله إلا الله ، إنا لله وإنا إليه راجعون).

فانتفضت جميعهن لأسفل لتجدن المندرة مليئة بالرجال و صوت بكاء أخيها و تتسرب كلمات إلى مسامعهن: شد حيلك يا ضيا.

– كلنا لها يا ولدي.

– الله يرحمك يا حسّان كنت زين الرجال ما سيبت كَبير ولا صغير إلا و واجبك مغرِجه.

فتعالت صرخات الأم و امرأة أخيها، نظرت قمر بينهما غير مصدقة، هكذا فجأة!
لقد ألقت عليه صباحها قبل أن تذهب لمدرستها، لقد أعطاها بيده مصروفها، لازال أثر قبلته الحانية على جبهتها، هل كانت القبلة الأخيرة؟
أ حقًا لن تراه مجددًا؟
أ حقًا لن تتنعم بدفء أحضانه؟
أ حقًا قد صارت… صارت يتيمة؟!

كانت الصدمة عليها أشد ما يكون؛ فليس لديها أي تصور لحياتها المستقبيلة بعد رحيل أبيها.

كانت الأيام قاسية و شديدة على الجميع، فأخوها معلم و بالكاد يكفي راتبه ولا يملك الوقت للوقوف في دكان والده حتى فسد ما به من بضائع.

أما قمر فلازالت تجتهد وتكافح لكن فقدان أبيها تكويها ناره، المحمس الوحيد قد رحل و تركها، صارت تشعر بوحدة غريبة، والأكثر صار هناك إحساس مفزع يحاصرها لا تعرف مصدره، كل ما تتأكد منه أن الأسوأ قادم لا محالة…

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة الان