رواية ” بعد الليل ” الفصل الثانى والثالث للأديبة نهال عبد الواحد

الفصل الثاني

 

استكملت ذلك العام الدراسي بصعوبة بالغة سواء بسبب ما مرت به من ظروف افتقاد والدها و وفاته أو بسبب ضيق العيش، لكنها في النهاية قد نجحت و حصلت على درجات لا بأس بها.

دخلت البيت تحمل شهادة درجاتها هذه المرة، لكن بدون فرحة ولا سعادة، تتلفت حولها تشعر بطيف أبيها و رائحته تملأ المكان، كأنها تسمع صوته الحنون يبارك لها و يسمعها أعذب كلمات الإطراء و الدلال، بل وكأنها تراه جالسًا على الأريكة أمامها، فأسرعت لتنعم بدفء حضنه… لكن وجدت نفسها تحتضن نفسها…
لا أحد… فراغ… وحدة… كآبة… ضيق صدر… وسواد لأبعد الحدود.

وبينما هي على حالتها جالسة ممسكة بشهادتها فكت حجابها وتركته متبعثرًا على رأسها ناظرة إلى اللامكان، دخل عليها أخوها وامرأته وأمها فانتبهت لهم سريعًا و مسحت تلك الدمعة التي فرت على خلسةٍ منها.

ثم تصنعت الإبتسام و مدت يدها بالشهادة لأخيها: نجحت الحمد لله.

فأخذها منها و جلس جوارها و ربت على كتفها دون أن ينظر داخل الشهادة وقال: مبروك يا جمر.

بينما قبلتها أمها على و جنتيها وقالت هي الأخرى: مبروك يا بت بطني.

فأومأت برأسها لهم وقالت بصوتٍ متحشرج محاولةً كتم عبراتها: الله يبارك فيكم.

ثم ابتلعت ريقها و هي تفتح عينيها لتمنعهما من زرف الدمع.

فقال ضياء بجدية: كنت عايزك في موضوع إكده يا بت بوي.

فأجابت بقلق: خير يا خوي.

فقال: كِيف ماانتِ واعية الدكانة خربت وماعادتش جايبة همها.

فقالت قمر: ما جولتلّك أجف فيها أنا.

فصاح فيها قائلًا: والناس تاكل وشنا.

فأجابت: مالناش صالح، الناس لا عتوكِلنا ولا عتشرِبنا.

فقالت الأم: ما عيصوحش يا بنيتي يبجى البيت فيه راجل و البنية تجف ف دكانة!

فقالت قمر: ما هو مافاضيش يامّي، طب أجولك شوف واد زين إكده، واد حلال يكون أمين ويجف هو ف الدكانة و ياخد أجرته.

فقال ضياء: وهي الدكانة بتكسب كام يعني عشان نوزِع إهني و إهني!

فقالت قمر بتنهيدة: كنّك بتسددها يابو خوه!

فتنهد وقال بتوتر ظاهر: أنا جررت أبيع الدكانة وخلص الحديت على إكده.

فقالت له: وانت جاي اتشورنا ولا بتعرِّفنا!

فقال ضياء: ما هتفرجش، وعمومًا ما تخافيشي ما عكلش حجك.

فرمقته بحزن وقالت تعتب عليه: هو دي ظنك بيّ يا ضيا!

سكت قليلًا ثم قال: كنت جَدمت على سفرية للسعودية، عسافر و اشتغل هناك مدرس برضيك، وكنت ناعي همك بصراحة يا بت بوي.

فقالت: تروح و تاجي بالسلامة…
ثم أكملت بعدم فهم: تنعى همنا ليه؟! إحنا جاعدين ف بيتنا كافيين خيرنا شرنا وأول ما الدراسة تبدأ عنشغل في مذاكرتي.

فقال: ما دي موضوع تاني.

فقالت بعدم فهم مرة أخرى: موضوع إيه!

فنظر ثلاثتهم لبعضهم البعض، وهي أيضًا تنظر نحوهم و يتأكد حدسها بأن القادم ليس بخير على الإطلاق.

فقالت مكررة: ما تُنطج يا خوي.

فقالت عبير (امرأة أخيها): بصي يا جمر، هو ضيا عايز يجولك هو وأمي حسنية إن يعني، البنتة مالهاش ف الآخر غير بيتها و جوزها و مهما كان علامك فماحدش حدانا عيشغل مرته، يبجى بناجصه.

فصاحت فيها: بناجص إيه! بتجول إيه مرتك الخرفانة دي؟!

فقالت عبير بمسكنة مصطنعة: أني خرفانة! الله يسامحك!

فقالت قمر: ما جصديش، لكن انتِ برضيكِ فورتي دمي بحديتك الماسخ دي.

فتدخل ضياء قائلًا: حديتها مش ماسخ يا جمر، هي عتجول عين العجل.

فقالت باستفهام: عين العجل!

فأكمل قائلًا: ودي باجي حديتي وياكِ، في عريس طالب يدك مني و أنا وافجت عليه، يُبجى مالوش عازة علامك دي.

فصاحت فيه: عريس إيه! إيه الحديت دي!

فقال: دلجيتي ما يجدر عل جُدرة إلا صاحب الجُدرة، وأنا مسافَر و ماهطمنش عليكِ إلا وانتِ ف ذمة راجل، و طبعًا ما عينفعش تسيبي بيتك وجوزك وتروحي المدرسة يبجي نكفي عل خبر ماجور و انتهينا.

فقالت بصوتٍ مختنق بالبكاء: يعني لا أحجج حلمي واكمل علامي، حتى جوازتي أتجوز راجل والسلام!

فقال ضياء بتهكم: إياكِ تكوني واعية إن العيشة كيف المسلسلات اللي عتشفوها! لا، دي حاجات ترفيهية يعني تسرح بعجولكم، لكن لا في حب ولا كل اللي عتشوفيه دي، مااني جدامك أهو متجوز البجرة بت عمك دي وأدينا عايشين بجالنا كام سنة، عمرك شوفتينا كيف المسلسلات اللي عتشوفيها، يا حبيبتي الحريم كلهم واحد والجواز كلاته واحد ما هيفرجش حاجة واصل، غير إنك فلجة جمر صُح.

فقالت عبير معاتبة: أمال أنا إيه يا ضيا!

فأجابها: إنتِ فَجر مصور العيار ما يخلعش عينك، إش جابك إنتِ لجمر الجمر دي.

فازدادت غيظًا حاولت اخفاءه ثم قالت: مبروك عليكِ يا بت عمي.

فقالت قمر: مبروك إيه!

فقالت عبير بمكر: لا مالكيش حج يا جمر، بجي عايزة تكسري فرحتنا! ولا كنّك ما عتفكريش غير ف نفسك! يا حبيبتي عيشي عيشة أهلك وبلاش ترفعي منخارك ف السما.

فقالت الأم بصوتٍ حانٍ: هه يا حبيبتي! جولتي إيه!

فنظرت إليهم جميعًا ثم أغمضت عينيها وقالت: عجول إيه! ما انتو جولتو كل حاجة.

فقال ضياء: والله جولت إنك عاجلة و ما عتركبيش دماغك!

فأكملت عبير قائلة: وا! تركب دماغها و تكسّر كلمة أخوها الكَبير! ده ما عيحصلش واصل.

فقال ضياء بسعادة: وما تخافيشي كل اللي نفسك فيه عجيبهولك من نصيبك في دكانة أبوكِ، ما جولتلّك مش عاكل حجك، وإن شاء الله عنلحج نخلص شوارك خلال الشهر دي.

فقالت بصدمة: شهر!

فقال ضياء: يا دوب عشان ألحج أحضر جبل السفر، ده أنا يادوب عحضر الصباحية، لا عحضر السَبوع ولا الأربعين، الناس عتاجي في الليل بعد العشا يتحددتم و نتفج ع الدهب و كافة شيء عشان نلحج نشتروا الدهبات، عايزكم تجهزوا كل حاجة.

فقالت عبير تتصنع السعادة: كافة شيء عيكون جاهز، هو إحنا عندينا كام جمر.

فقالت حسنية تربت عليها: تعيشي يا حبيبتي، ودي العشم.

نظرت بقهر بينهم و قد تحقق حدسها، ثم تركتهم متجهة لغرفتها في الأعلى محاولة التفكير في ذلك الكهف المظلم الذي ستدخله و تمضي فيه باقي حياتها، لقد خسرت كل شيء منذ أن خسرت أباها، فلا تعليم ولا حتى زوج ترغب فيه… يبدو أن الليل يهجم بظلامه قبل أوانه!

وفي المساء جاء العريس و أهله، زينتها امرأة أخيها و أصرت على تزينها فأصبحت لا تعرف نفسها في المرآة من كثرة تلك الخطوط الملونة.

جلست معهم مثل المقعد الجالسة عليه لم تتحدث إلا بعض الكلمات العابرة عند الضرورة فقط، اتفق الرجال اتفاقاتهم المعهودة و دفع العريس لأهل العروس ثمن كسوتها كما هو المتعارف عليه و تم تحديد موعد شراء الذهب كما حُدد ثمن الذهب و قد كان أغلى من أي فتاة في عائلتها وقد زاد ذلك من غيظ عبير، فلم يُشترى لها ذهب بذلك السعر؛ فلأنها ابنة عمه فاشتري لها الذهب بسعر أقل من المتعارف عليه وباقي فتيات العائلة أيضًا هكذا حيث تزوجن من أبناء عمومتهن فلم يُشترى لأيهن بمثل ذلك السعر فازداد حنق الجميع عندما علموا، وظلت الحوارات بين بنات العائلة ذاهبة وآيبة في هذا الموضوع.

مرت الأيام و قد تم شراء الذهب، مستلزمات الزواج و جهاز العروس كما هو المتعارف عليه لديهم، أن العروس تشتري فقط الأجهزة، الأواني و فرش المنزل أما العريس فيشتري باقي مستلزمات الشقة وكسوة العروس أيضًا.

لم تكن قمر قد اجتمعت بعريسها سوى بضع مرات دون أن تدقق في ملامحه فلم تُحفر في رأسها و لم تتذكرها نهائيًا، كما لم يكن بينهما أي أحاديث.

وبدأت استعدادت بيت العروس قبل الفرح من خبز لأنواع الخبز، البسكويت، الناعم ( الكعك) و الفايش، وذلك اشترك فيه نساء العائلة من باب المجاملة -أن تحضر خبيز فلانة-

حتى جاء يوم الحنة و قد ذهب الجميع لبيت العروس لإتمام فرشها و الذهاب بشتى المخبوزات، كميات الخبز المهولة التي يخبزها أهل العروس لتقدّم للمدعويين في الحنة في بيت العريس، يوم الفرح وفي الصباحية، و هذا غير خزين كامل للبيت من شتى الأشياء (سكر ، شاي ، أرز ،سمن ،… ) كميات من اللحوم و الطيور.

أما العروس فلا تطأ بقدمها لبيتها إلا يوم دخلتها متفاجئة بكل شيء، لكن قبل ذلك لا تعرف عنها أي شيء…..

ثم عادت قمر من شرودها على صوت من حولها يزرغدون؛ فالعريس قد جاء ليصعد بعروسه، وفجأة و جدته أمامها يبتسم بابتسامة سمجة، مد يده نحوها لتمسك بيده ثم وقفت، وعلى غفلةٍ وضع إحدى يديه خلف ظهرها و الأخرى أسفل فخذها و حملها مسرعًا وصعد بها لأعلى، شعرت به كحمّال المحطة يسرع بحمل الحقائب قبل انطلاق القطار!

ارتجفت و ارتعشت خوفًا، ليس لديها أي تصور عن حياتها معه وأقصد معه كرجل غريب عنها.

صعد العريس بعروسه وسط زغاريد عالية وأصوات تشجيعية من المدعويين، دخل شقتهما ثم أسرع بها نحو غرفتهما و أغلق الباب خلفه بالمفتاح، ازداد ارتعاش جسدها و نظرات الخوف و التوسل ظاهرة على ملامحها.

لكن ذلك العريس كان خارج نطاق الخدمة فكل تركيزه و حواسه كان منصبًا حول آداء مهمة بعينها ليهبط و يكمل سهرته مع باقي الرجال متفاخرًا.

فألقى بها فوق الفراش و بسرعة خلع بذته و هي تطرف بعينيها تفتحهما و تغلقهما؛ ربما كانت نائمة، ربما كان كابوسًا وحان وقت الإستيقاظ…

لكن لم يمهلها و بسرعة انقض عليها فشد طرحتها حتى أن الدبابيس الخاصة بها قد علقت بشعرها فجذبها دون أدنى إحساس فآلمتها فتأوهت قليلًا، فإزداد لهيبه و رغبته فيها.

جذب فستانها بسرعة فتمزق في يده فلم يلقي بالًا وأكمل نزعه وألقى به على طول يده، ثم انقض ينهل من جسدها بقدر ما يستطيع وكأن أحدهم يركض خلفه لينتهي أو ربما أحدهم يمسك بيده ساعة إيقاف وقد حدد له وقتًا بعينه فيريد الإنتهاء قبل إنتهاء الوقت!

أما هي فقد تشنّج جسدها كأنها مخدرة، أو ربما تمنت ذلك، بل تمنت ما هو أفظع تمنت أن تموت الآن، لا تطيق لمساته، لا تطيق اقترابه ولا رائحة أنفاسه الكريهة المختلطة بشرب النارجيلة أو ربما شيئًا آخر  كالحشيش ومشتقاته!

وبعد أن افترس الحيوان فريسته دون أدنى شفقة، نهض هذا الزوج و هو يضحك فخورًا بنفسه ثم تركها واتجه نحو الحمام و صوت دندته يصم أذنها، ثم خرج مرتديًا جلبابًا أبيض اللون ليهبط في الأسفل و يكمل سهرته مع باقي الرجال متفاخرًا بدخلته على عروسه.

وقبل أن يفتح باب الغرفة التفت إليها و هي لازالت على وضعها لا تحرّك ساكناً غارقة في دماءها التي اصطبغ بها لون الفراش، و وجهها الذي صار كالخريطة من أثر مساحيق التجميل التي سالت مع دموعها، وشعرها المتبعثر.

فقهقه ثم قال لها: همّي يا بت جومي استري نفسك و غيري فرش السَرير دي، الحريم زمناتها طالعة تجعد معاكِ عشان تعرف أمجاد محمد عبد الحفيظ، جوزك! جومي يا عروسة!

قال الأخيرة و هو يمط في صوته و يقهقه ببشاعة، ولما لم يجد منها أي رد ولا حركة جذب الغطاء فغطاها وفتح الباب وهو يدندن مغنيًا مصفقًا بيديه، ثم سُمِع أصوات زغاريد بالخارج و مباركات.

مباركات!
لقد تم ذبح ضحيته بنجاح!

أما قمر فظلت على وضعها لا تحرك ساكنًا، شعرت برغبة في الصراخ و تحطيم هذا البيت بالكامل، بل تنظر لجسدها متمنية لو تقشر طبقات جلدها التي تطاول عليها، تمنت لو تزيلها و لكن……..

…………………..

الفصل الثالث

 

و بعد انصراف زوج الغفلة ظلت قمر جالسة في فراشها على نفس حالتها محتضنة نفسها ممسكة بالغطاء و دموعها تسيل بلا أي شعور منها؛ فشدة الألم دائمًا يليها تبلد هل رأيتم من قبل ذبيحة تشعر بعد ذبحها؟!

و بعد قليل بدأت تنتبه لاقتراب أصوات الزغاريد و صوت أمها يختلط بأصوات أخريات لم تتبين من هن تقتربن من الغرفة، ظلّت عيناها على الباب ولاحظت تحرّك مقبض الباب.

فُتح الباب وكانت أمها التي صُدمت من هيئة ابنتها فشهقت و ضربت صدرها بقوة و صاحت: يا مرّي! مالك يا جمر؟ حصلك إيه يا جلب أمك؟!

وأسرعت نحوها وضمتها إليها مسرعة فأجهشت قمر بالبكاء وكأنها لم تبكي طوال عمرها، أم ربما تبكي بأثر رجعي! دخلت خلفها عبير و خلفهما نساء أخريات، لكن ردت على أم قمر إحداهن وكانت امرأة ممتلئة الجسد تربط رأسها بوشاح عشوائي يظهر خصلات شعرها الحمراء بفعل الحناء وتحدد عينيها بكحلٍ أسود مرتدية سوارات ذهبية في ذراعيها و خلفها ثلاث سيدات تشبهها لكن مع الكثير من مساحيق التجميل مخرجات خصلات شعرهن صفراء فاقعة اللون بفعل الصبغة، تبدو عليهن بناتها من تشابه الملامح.

قالت المرأة الممتلئة بتحفّز وتحرّك حاجبيها مع كل كلمة: جرى إيه يا أم جمر! عيكون حُصُل لبتك إيه! عروسة و ف ليلة دخلتها!

فقالت الأم ولازالت تربت على ابنتها التي لازالت تنتحب: مالك بس يا أم مِحِمد! ما شايفاش البت عاملة كيف؟!

فردت عليها بصرامة: عاملة كِيف؟ جلع حريم ولا كنّك نسيتي يا أم جمر!

ثم ضحكت بملئ صوتها ضحكة رقيعة وهي تتلفت نحو بناتها اللاتي ضحكن بدورهن مثل أمهن، فاقتربت من قمر إحداهن ونزعت طرف الغطاء من عليها والذي كانت لاتزال تمسكه بشدة، فضغطت عليها بطرف أصابعها ثم تمصمصت بشفتيها قائلة وهي مقوسة فمها: بجي هي دي يا مّي اللي دفعتوا فيها ميت ألف دهب! دي مالهاش وش من ضهر!

فرمقتها قمر بشدة، فأجابت أمها: معلهش ماهي لسه صغيرة بكرة الحبل والولادة يدوّروها.

فأكملت فوزية أم العريس وكأنها لم تسمع أم قمر قائلة: نعمل إيه عاد! أخوك شافها و عجبته! لكن يا ضنايا إش جابها ليكم  ده انتو بنات فوزية.

فضحكن جميعًا، ثم قالت تلك المرأة تحدّث أم قمر: جبل ما تروحي يا أم جمر وضبيها بدل الشندلة اللي هي فيها دي، ولبَسيها حاجة زينة تعجب جوزها ولدي، زمنات الحريم هيطلعوا يجعدوا ما هيصُحش يشوفوا الخيبة التجيلة دي.

ثم تركتها وانصرفت هي و بناتها و لم تبقى بالغرفة سوى أمها و عبير التي ارتسمت على وجهها ابتسامة التشفي، فصاحت تتصنع السعادة: يلا يا مّي جوميها تتسبح و تلبس حاجة مشخلعة إكده تفتح نفس الراجل.
ثم ضحكت بمياعة.

فصاحت قمر بتعب: تاني! حرام عليكم..

فازداد ضحك عبير وقالت: مالها دي! يا بت فضحتينا وسط أهل جوزك، همي يلا جبل ما خوكي ينادم علينا.

فأمسكت بيد أمها و قالت متوسلة: خديني معاكِ يامّي ما تفوتنيش إهني، ما هطيجش أكتر من إكده.

فقالت الأم : يا بت عيب عليكِ الناس تجول إيه! في عروسة تروح يوم دخلتها! يظنوا فيها الظن البطّال بعيد الشر عنيكِ، يلا جومي معاي يا حبيبتي.

فبكت وقالت متألمة: ما جدراش يا مّي، يا مّي… أنا…  أنا بنزف.

فانتبهت الأم لفراشها بعد أن نزعت الغطاء قليلًا ففزعت من كم الدماء والتفتت لعبير لا تدري ماذا تفعل؟!

فاقتربت عبير من  قمر فلفّتها بطرف الغطاء و جذبتها مع أمها وهي تقول: ما تخافيش عليها، دلجيت تتسبح و تبجى زينة، همي يلا…لسه عنروِح نخبز فَطير الصباحية.

ولم تجد قمر بدًا إلا أن تتبعهما، فتحممت و بدّلت ملابسها بقميص نومٍ حريري من اللون الوردي و عليه غطاءه (روب)  من الستان الوردي أيضًا وجلست منهكة تمسّد لها أمها شعرها، و بدّلت عبير غطاء السرير الملطّخ بالدماء ثم حاولت إقناع قمر بإعادة تزيينها لكنها لم تعد تقوى أو ترغب في أي شيء، ثم غادرتا أمها و امرأة أخيها و ظلّت قمر جالسة وسط النساء اللاتي جلسن حولها تتبادلن الأحاديث المحرجة مع بعض الهمز و اللمز.

كانت تجلس قمر صامتة تمامًا، و رغم ظهور ملامح وجهها الملائكية لكن الشحوب و التعب كان غالبًا على ملامحها، ظلت جالسة هكذا حتى انصرفت جميعهن لكن بقيت أصوات الرجال قادمة من الشارع.

أما محمد العريس ذلك الزوج الأرعن فقد هبط إلى الجميع رافعًا رأسه لأعلى بتفاخرٍ وتعالي و كأنه قد فعل عملًا بطوليًا وليس كارثة إنسانية بكل المقاييس.

وكلما مرّ على جماعة نسائية قمن برفع أصواتهن بالزغاريد، حتى خرج إلى الرجال الذين صفقوا بحرارة و صاحوا يحيوه بملئ أصواتهم، ثم جلس معهم يقصّ عليهم و يتقدم كل منهم بنصيحته…

ظلّ جالسًا معهم يشربون النارجيلات و بعد انصراف الغالبية بدأ أصدقاء السوء بتقديم الأقراص و السجائر المخدرة مع شرب بعض من الخمر (البيرة و خلافها) حتى ثمُل تمامًا.

صعد محمد مترنحًا على السلم مدندنًا بصوتٍ ثامل حتى وصل لشقته ومنها لغرفة نومه.

ظلت قمر جالسة بعد انصراف كل النساء، لكنها كانت تعاني من آلام و إنهاك في سائر جسدها فسقطت في سباتها و هي متكئة في فراشها.

وبينما كانت نائمة إذ شعرت باختناقٍ شديد ففتحت عينيها لتجد هذا الحيوان الآدمي ينهل منها ببشاعته و رائحة الخمر و النارجيلة العفنة تفوح منه، حاولت دفعه ليس فقط لأنها لا تطيقه بل حتى لتستطيع التنفس لكنه قيد يديها الصغيرتين بكفه الكبير، وقد أنهكت بما يكفي فتوقفت عن المقاومة لتشعر بآلامٍ شديدة ثم فقدت وعيها.

أما الأم، عبير وضياء فقد عادوا البيت وعلى وجه الأم حزن عميق؛ فصوت توسل ابنتها يرن في آذانها و صورتها المنهكة لم ترحل عن ذاكرتها، كانت طوال الطريق تتنهد بمرارة فتتغامزن و تتلامزن بنات عمها خلسةً على ابنة عمهن العروس المبتلاة؛ وكأن كل ذنبها أنها قد جاءها ذهبًا أكثر منهن جميعًا، وأن لها سقف أحلام أعلى منهن! إذن اقتربن و خُذن ذهبها لكن ليس وحده خُذن أيضًا ذلك الزوج الأرعن… وأهله…

بعد وصولهم للبيت انتبه ضياء لحزن أمه فاقترب يسألها بشغف: مالك يا مّي فيكِ إيه!

وقبل أن تجيبه قالت عبير متدخلة: أكيد صعبان عليها فراج جمر، والله هتجطع بينا!

فابتسم ضياء و ربت على أمه قائلًا: ما هي دي سنة الحياة يا ست الكل.

فأومأت برأسها أن نعم ثم قالت: جلجانة عليها يا ولدي، كنّك اتسرعت لما جوزتها صغيِّرة.

فتسآل في قلق قائلًا: مالك يامّي دسّة عني إيه؟

فقالت ويختلط صوتها بالبكاء: صوت بكاها بيرن ف ودني.

فتابع قائلًا بقلق: يا مّي طمنيني.

فقالت عبير و هي تتغنج بجسدها: مالك يا ضيا! مالك يا راجل! كنّك نسيت! أمي بس جلبها رهيّف إكمنها بتها، يلا يا خويّ إنت تعبت إنهاردة كَتير، و إنتِ يا مّي غيِري هدوماتك عشان نجعد نخبز فَطير الصباحية.

وبالفعل سحبت زوجها لغرفتهما بعيدًا عن أمه حتى لا يزداد قلقه، لكنها لم تذهب إليها بل بدّلت ملابسها بأخرى مثيرة و سارت تتغنج بجسدها أمامه حتى حدث ما أرادت، بينما جلست حماتها تنتظرها في الأسفل و لما تأخرت جلست تصنع الفطير وحدها حتى فجر اليوم التالي.

و في الصباح هبطت عبير من غرفتها بتكاسل فوجدت حماتها لاتزال جالسة لترص ما خبزته و تربطه لتذهب به لابنتها العروس.

فقالت عبير متثآبة: إصباح الخير يا مّي.

فأجابتها دون أن تلتفت: يسعد صباحِك.

فأكملت بتكاسل: ما تواخذنيش يامّي اكمني ما نزلتش أخبز وياكِ، بس يعني ضيا…  يعني..  ما انتِ خابرة يامّي.

قالت الأخيرة باستحياءٍ مصطنع، فأجابتها الأم بتفهّم: ما جراش حاجة، ربنا يهدّي سرك، تعالي اربطي معاي، أنا فُت فَطيرتين تُفطُروا بيها.

ثم تركتها لتصعد غرفتها، فنادتها  عبير: رايحة على فين يا مّي؟

فأجابتها بإرهاقٍ واضح: عطلع أتفرد عبال ما تجهَزوا حالكم، ابجوا نادموا عليّ.

فقالت: طيب.

و بالفعل إستعد الجميع و ذهبوا لبيت العروس، ففتحت لهم أم العريس دون تعليق، فدلفت الأم، عبير وسائر النساء تطلقن الزغاريد قدّمن الفطير و ما أحضره أهل العروس من أطعمة متعارف عليها، ثم صعدن جميعًا و تتقدمهن إحدى أخوات العريس فدقت باب الشقة عدة طرقات ثم فتحت الشقة بمفتاح كان معها و دلفت إلى الداخل و طرقت على باب غرفة النوم و هي تنادي بملئ صوتها: يا محِمد! يا جمر! يلا الصباحية! يلا كفياكوا رجاد! يا محِمد…

ظلت تصيح حتى استيقظت قمر لتجد تلك الذراع الرجولية الملاصقة لجسدها فأزاحتها و هي تنتبه لأصوات من بالخارج فارتدت ملابسها و أسرعت نحو الحمام، بينما محمد ظل في فراشه يتململ من أصوات النداءات حتى اضطر للنهوض فالتفت حوله وهو يفرك خلف رأسه و نهض يرتدي ملابسه ثم فرك وجهه و فتح الباب بغضب وصاح في أخته: جرى إيه يا مصيبة إنتِ! يا محِمد يا محِمد… إيه!

فانتفضت أخته قائلة: مالك يا عريس! ما جصداش بس الحريم وصلوا عشان الصباحية، انزل كمل رجاد في الشِجة اللي تحت…

ثم شبّت بقدميها تتطلع خلفه قائلة: وهي فين عروستك لساتها راجدة؟!

فقال بتثاؤب: ما عرِفش، كنّها بتتسبح، إوعي غوري إكده خليني أروح أكمل رجاد.

فأمسكت بذراعه وقالت: مش عتجعد مع الناس ولا إيه!

فنزع ذراعه منها وقال: ما عجعدش مع حد، أنا رايح أرجد.

وأكمل سيره دون أن يلتفت لأيهن و لا أن يرد على مباركاتهن، فدخلت أم العروس و عبير أولًا للغرفة ترتباها.

بينما كانت قمر في الحمام جالسة على حافة المغطس و تفرك جسدها باللوفة الشعر (نوع من اللوف الخشن يُستخدم في قرى الصعيد)  ولا تزال تشعر برائحته في جسدها فتتجه نحو المرحاض لتتقيأ ثم تجلس من جديد وهي منهكة حتى أنهت حمامها .

وقفت أمام المرآة تتطلع لملامحها الشاحبة و كأنها استيقظت من مرضٍ طويل لا عروسٌ جديد في أول يوم.

حدثت نفسها بداخلها قائلة:
يا إلهي! أي حياةٍ تلك تراني مقبلةٌ عليها؟!
تراني سأُذبح هكذا كل يوم! تراني وقد كُتب عليّ عذابٌ أبديّ! تراني متى سأخرج من هذه العتمة السوداء؟! متى سيذهب هذا الليل البهيم؟
هل من نهارٍ ذات يوم؟! أم مجرد ليلٍ سرمديّ؟!
تراني هل سأفرح بعد اليوم؟ أم تلك مجرد كلمة لن أشتَمُها حتى في أحلامي؟!

 

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة الان