قصة قصيرة… (سر لعنة نبتون) بقلم: نهال عبد الواحد

في مكانٍ بلا تحديد وزمانٍ بعيد، جلس شابٌ بائسًا عنيدًا في أسوأ حالاته يعاني من يأسٍ وحزنٍ شديد.

جلس على شاطيء البحر فوق أحد الصخور يراجع ذكريات عمره وهو حزين ومقهور، رغم كونه وسيم، يميل شعره للفضي، عيناه زرقاء واسعة كالبحور لكنه كان مكروهًا، في نفس هذا المكان تقابل أبوه بأمه الفاتنة كالبدور، وُلد حبهما وازداد بمرور الأسابيع والشهور، حتى كُلل بزواجٍ سعيد وعمّ حياتهما السرور.

وبعد عام من هذا الزواج السعيد احتفلا الأبوان بميلاد طفلهما الجديد، كانت ملامحه لأمه وعيناه لأبيه أسماه ( بلودينيس)، ومرت عدة أيام بعد الميلاد السعيد، لم يكن للأب نصيب في عمرٍ مديد، تُوُفيَ موتة غفلة وحزنت الأم الحزن الشديد.

نشأ ( بلودينيس ) مع أمه والتي كثيرًا ما تأتي به في نفس هذه البقعة على أحد الصخور، ورغم وسامة ( بلودنيس) منذ طفولته لكن كان من يراه لا يألفه، ربما لم يكن ملحوظًا في بادئ الأمر لكن كلما كبر الولد زاد ذلك النفور.

كان من يراه يشعر كأنما تنبعث منه هالة من النور، هالة فضية حول رأسه ومن زُرقة عيناه أيضًا نور، كلما كبر زادت هالته وزادت ريبة الناس والنفور، كانوا يتهامسون فيما بينهم أنه ملعون أو ربما مسحور.

وقبل أن يتم العاشرة تُوفيت أمه أيضًا موتة غفلة فتأذّى الطفل وعانى من الوحدة؛ فالجميع ينفرون ويرتابون منه وبعد وفاة أمه أطلقوا عليه الطفل الملعون جالب الشؤمة شبيه البوم، فخافوا منه ومنعوا أبناءهم من الإختلاط به خشيةً أن يؤذيهم بشؤمه ولعنته!

حتى معلميه في مدرسته ارتابوا منه وبعد ما أهملوه أبعدوه فترك المدرسة والتعليم تمامًا، لكن كيف لطفلٍ مثله أن يعيش في هذه الدنيا بطوله وحيد؟!

بدأ يعتمد على نفسه وبحث عن أي عملٍ أو مهنة بسيطة، المهم أن يجد ما ينفق به على نفسه، لكنه لم يكن يمكث في أي عمل ولا مع أي صاحب مهنة؛ الجميع يرتابوه ويخشون لعنته وشؤمه.

وبعد ما كانوا يخفون الأمر ويتهامسون من خلفه صاروا يجاهرون بريبتهم منه، وسار يتنقل من عملٍ لمهنة ثم يُطرد منه شر طردة! وسنة تجرّ سنة وعمره يمضي بلا نجاح ولو مجرد فرصة.

كان من غضبه وغيظه منهم يجلس عند البحر ويضرب ما يجد في الأرض من أحجارٍ بقوة فينكسر في يده الحجر فيدق عليه يخرج كبته وغضبه، وبعد كل مرة يجد أن قطعة الحجر لم تعد مجرد قطعة حجر بل صارت قطعة منحوتة ومُشكّلة بحرفية، فيأخذها وغيرها ويسير في السوق ملثّمًا ويبيعها مع أخواتها.

الغريب أن هالته التي تخيف الناس تختفي عندما يتلثّم فلا يعرفوه ويقبلوا إليه ويبتاعوا منه تلك التحف على حد وصفهم، فقد نعتوه بالتاجر الغريب؛ لهيئته المختلفة وظهوره على فتراتٍ متباعدة.

كان يكسب اليسير من الأموال ويشتري بها ما يحتاجه ويختفي حتى تنتهي مؤنته، كان فقط يخرج ليلًا، يجلس على شاطيء البحر فوق الصخرة، ينظر لأعلى نحو أحد النجوم، ليس لسبب محدد لكن يشعر بحاجته لذلك، وبعدها كأن نشاطه يتجدد فيجلس و يكسر الحجر وينحت بعضه.

وذات مرة تبعه أحدهم ليعرف هويته ومنشأه، لكن أصابته الصدمة عندما علم وتأكد أن ذلك الغريب الملثّم ليس إلا ( بلودنيس)!

فأذاع الخبر وأفشى سره، حاصرته الأهالي يطالبونه بالرحيل؛ لا يرغبون بوجوده بينهم بأي شكل وليس هناك لردهم أي سبيلٍ ولا بديل.

خرج (بلودنيس) محزونًا مقهورًا لا يعلم لوجهته سبيل، ساقته قدماه حتى جلس على صخرته بائسًا مكروهًا، قد تملّكه اليأس من حياته ومن كل شيء وصدّق كلامهم بحق، أنه بالفعل ملعونًا مشؤومًا.

بكى بكاءً مريرًا بعد أن شرد في كل ما مضى طوال حياته، رفع عينيه نحو نجمته، شكا لها همه و ظلم الناس له طوال عمره، وكيف يقتنعون بخرافات لا أساس لها ولا صحة؟! كيف يلفّقون له أي مصيبةٍ وتهمة؟! حتى لو لم يكن موجودًا حينها بالمرة! ولم يجد أمامه إلا حلًّا واحدًا…. عليه أن ينهي حياته؛ فلمن يعيش؟! ولماذا يعيش؟!

نهض واقفًا فوق هذه الصخرة، ورفع رأسه لأعلى وحملّق بعيناه الدامعة نحو تلك النجمة، ثم التفت حوله يوّدع الحياة وتلك العيشة حتى لو كانت مُرّة!حتى ولو لم يفرح يومًا كاملًا بالمرة! وبعدها نظر لأسفل نحو صفحات الماء الثائرة و الأمواج العالية التي تقذفه برذاذها مع تلك الرياح الشديدة العاتية، وفي لحظة قفز و ألقى بنفسه بداخل تلك الأمواج الغاضبة، غاص بداخل الأعماق السوداء المظلمة.

وبعد فترة من الزمن فتح (بلودنيس) عيناه فتفاجأ بنفسه في مكان غير مألوف، تلمّس بيديه فشعر بملمس حصى ورمال و حجر ملفوف، شعر ببرودة تحيط جسده كأنما هو بلل أو شيء غير موصوف، ظل محملقًا حوله يحاول من وسط هذا الظلام أن يرى ذلك المكان غير المعروف، لكن بعد قليل شعر بإضاءةٍ زرقاء لم يفطن لمصدرها في بادئ الأمر وأخيرًا صار المكان مكشوف!

– هذه شعب مرجانية وتلك صخور بحرية، كأني أجلس فوق صدفاتٍ وقواقع، أين أنا يا ترى؟! كأني في أعماق البحر أم ربما نائمً في حلم ؟!
هكذا كان يحدّث نفسه بصوتٍ مسموع.

لكن فاجئه صوت أنثوي يرد عليه: مرحبًا بك يا فتى في مملكتنا!

فالتفت مسرعًا متفاجئًا، رأى أمامه ملامح وجه إمرأة أربعينية لكن تغطي رأسها بصدفة كبيرة أخفت شعرها، ترتدي فستانًا لامعًا مائلًا للزرقة ذات أكمام، فلا يدري إن كان لونه مائل للزرقة أم هذا بفعل ذلك الضوء الأزرق المحيط بالمكان .

فأردف بقلق: من أنتِ وأين أنا؟! أفي حلمٍ أنا؟! أم أني قد فارقتُ الحياة؟!

فقهقهت المرأة بمليء صوتها قائلة: لا، بل أنت في مملكتنا، مملكة فوسفوريكا أكبر ممالك البحار.

فوجم بصدمة قائلًا: فوسفوريكا! لكن المفترض أني قد مُت؛ لقد قذفت نفسي في ماء البحر الهائج وسط الأمواج الثائرة، مؤكد أني قد مُت…. لكن….

فقاطعته قائلة: لا لم تمت، أنت بالفعل في مملكتنا تحت أعماق البحار، لكن… أراك تقول قذفت بنفسك في الماء!

– أجل سيدتي، فكيف لي لازلت على قيد الحياة؟! وأتحدث معك وأتنفس تحت الماء… أتنفس تحت الماء!

– هل تقصد أنك بشريّ؟!

– بشري! إذن كأنك حورية بحر!

– لا لا لست بحورية، أُدعى سافولين، ألم ترى لديّ طرفين مُزَعْنَفين؟! لكن الحورية تمتلك ذيلًا واحدًا مثل ذيل السمكة.

– أنا لا أفهم كل ذلك، كيف بي لازلت حيًّا؟! كيف لي لم أموت حتى الآن؟!

– أراك شابًا في مقتبل العمر، فلماذا تريد الموت بُني؟!

– كيف لي أعيش وأنا ملعون منحوس؟! غير محبوب، الكل يكرهني، الجميع يتجنّبني، بل يلفّقون لي بالتهم وأي مصيبة أو بلاء يقولون بلودنيس!
قالها بإنهيار وأجهش بالبكاء.

فاقتربت منه، ربتت عليه وقالت برفق: لا تسرف على نفسك أيها الفتى، قصّ عليّ حكايتك ربما أجد لك حلًّا؛ فالإنتحار بُني ليس إلا وسيلة الضعفاء.

فأهدأ (بلودنيس) من روعه، جلس يقص عليها كل حكايته منذ أن تعرّف والديه وبالحب تعلّقا حتى ألقى بنفسه وسط الأمواج غير الرائقة، كانت تستمع إليه بإنصاتٍ شديد وبعد أن إنتهى قالت: الأمر واضحًا بُني، أرى معاناتك بسبب كونك لست بشريًا وأخيرًا قد عُدت لموطنك، وبما أنك قد عشت عشرين عامًا ككائن أرضي فمؤكد أن لك قدرات البرمائيين.

وجم قليلًا ثم قال بعدم فهم: برمائيين! أنا لا أفهم ما تقولين!

– حسنًا، ستفهم بمرور الوقت، المهم أنك أخبرتني أنك تصنع أشياء بالحجر، هلا أريتني من تلك الدرر!

– أجل سيدتي سافولين، لكنها مجرد تفاهات.
قال الأخيرة بنبرة يائسة يصحبها تنهيدة بائسة.

– لا يا بُني، بداخل كل شخص موهبة وقدرة تخصه وحده عليه فقط أن يبحث عنها، يكتشفها، يستغلها وبعدها سيعيش سعيدًا لأنه سيكون وقتها قد وجد ذاته.

فأومأ برأسه موافقها، تلفت حوله يبحث بعينيه حتى وجد صخرة أخذها، ضربها فكسرها ثم جلس يدق عليها، نحت فيها فشكل شكلًا مختلفًا، فأعجبت به ( سافولين) كثيرًا ثم تلمست كتف ثوبها، قطعت شيئًا ما يشبه قشرة السمك لامعة اللون لكن حجمها بحجم عقلتي إصبع، مدت يدها لـ( بلودنيس) قائلة: خذ هذا، إنه تصريح العمل لتعمل في المملكة بمهنتك هذه، سيسعد مولانا الملك كثيرًا بك؛ فليس لدينا من يصنع مثل هذه التحف الرائعة، أبشرك بمستقبل رائع بُنيّ.

فأخذه منها يتفحصه بدهشة، ثم قطعت بآخر وأعطته له قائلة: وهذا تصريح للسكن، أُسلك هذا الإتجاه ستصل لكهوف الشعاب الجديدة ذات اللون الأخضر، فقط أعطي التصريح للحارس سيدُلك على سكنك، ومن الغد تخرج لعملك تصنع من الحجارة ما تشاء ثم تحضرها لقصر الملك ملكيادس ليراها بنفسه ثم يقرر ما يشاء في شأنك.

أمسك في يديه هذين التصريحين بدهشة؛ فلم يرى مثل ذلك من قبل، لكنه انتبه فجأة وتسآل: لكني لا أعرف طريق قصر الملك!

فابتسمت قائلة: الأمر بسيط للغاية، اسأل أي مواطن فوسفوريكي سيُدلك حتمًا، إلى اللقاء أراك لاحقًا!

انصرفت فورًا وفعل مثلما أشارت إليه، وصل بالفعل إلى تلك المساكن، سكن سكنه فيها، في اليوم التالي ذهب إلى مكان الصخور والحجارة، عمل بنحت التحف بهمة و مهارة.

ولما صنع كمًّا من التحف حمله، ذهب إلى قصر الملك، قدّمها إليه في صورة هدية، فانبهر بصنعه وعيّنه كبيرًا للصنّاع، صار يعمل تحت يديه عدد من الصناع من يعلّمهم هذه المهنة الجديدة التي لم تعهدها مملكة ( فوسفوريكا)، تفاجأ بنفسه لأول مرة أن صار محبوبًا، شعر أخيرًا براحة؛ يبدو أن كلام (سافولين)  صحيح حول كونه عليه إكتشاف قدراته و العمل بها؛ فالفرد مهما تعب وكدّ في حياته لن يصل إلى هدفه إن كان قد إختار من البداية الهدف الخطأ.

مرّ فترة من الزمن ولم يقابل ( سافولين) مرة أخرى حتى إنه كان يجهل هويتها كونها الملكة زوجة الملك!

ورغم أن حياته السابقة كانت مصدر متاعب وآلام لكنه كان كثيرًا ما يحن للهواء، فكان يصعد لأعلى سطحه يستنشق جرعة أكسجين هوائي، كان يساعده على ذلك كونه كائن برمائي، كان يشتاق لنجمته ليحملق فيها كلما صعد لسطح الماء.

وذات يوم اشتاق للسطح، صعد لأعلى يرى نجمته التي كثيرًا ما يحن إليها دون إدراك سر اشتياقه، ورغم شعوره بكم الطاقة التي تتولد في جسده، لم يلحظ أبدًا هالة النور الهائلة المحيطة به و أن تلك الإضاءة الزرقاء التي يشعر بها دائمًا إنما تنبعث منه!

كانت وقتها الملكة ( سافولين)  تخرج كعادتها تتفقد بنفسها أحوال الرعية فرأته، راقبته، رأت كمّ الطاقة والنور، وبلمح البصر أمرت الحراس بالقبض عليه وإحضاره للقصر على الفور.

تفاجأ (بلودنيس) بكم الحراس دون أن يعرف السبب ومهما صاح وأخبرهم أنه كبير الصنّاع لم يلتفتوا إليه من الأساس!

وصلوا به إلى القصر وكان محاطًا بشعابٍ مرجانية نادرة مزيّنة باللؤلؤ والمرجان من الداخل والخارج، دخل فأجلسوه في البهو الرئيسي حيث عرش الملك وكان صدفة كبيرة عالية تسعُ لشخصين مزينة أيضًا باللؤلؤ والمرجان.

لكن الملك لم يكن جالسًا على عرشه، وكان طويل وأسود الشعر واللحية، على رأسه تاجٌ ذهبي، في صدره قلائد من الذهب مزينة باللؤلؤ والمرجان، كان يسبح بتوتر ذهابًا وإيابًا دون أن ينطق بحرف!

كان (بلودنيس) يلحّ عليه ليعرف السبب طالما كان من الملك مقرّب، لكن لم يسمع منه أي كلمة! وفجأة فُتحت إحدى الصدفات وخرجت منها (سافولين)  بشعرها الأحمر الطويل، على رأسها تاج المملكة اللامع، تفاجأ بها (بلودنيس) وكونها الملكة زوجة الملك!

انحنى (بلودنيس) راكعًا لها وكذلك فعل الملك فأمسكت بيد زوجها، صعدت به للعرش ثم جلسا متجاورين، وبعدها اعتدل ( بلودنيس) واقفًا ثم قال ببعض الخوف: كأنكِ هي!

فأومأت برأسها توافقه وأجابت: أنا الملكة سافولين إبنة الملك ماركلين وزوجة الملك ملكيادس.

ثم نظرت لزوجها فأكمل: إن من شرع مملكتنا إن لم يكن للملك أبناء ذكور أن يؤول الملك لزوج إبنته، وسمو الملكة كانت الإبنة الوحيدة لجلالة الملك ماركلين، وكنا وقتها قد التقينا وتآلف قلبينا فاختارتني زوجها.

ثم أمسك بطرفها وقبّله، تابع ولازال ممسكًا به: لكن في نفس الوقت كان يطمع بها دوراز اللعين فأعلن الحرب ضد المملكة وخُضت آنذاك الحرب مع مولاي الملك حتى انتصرنا في النهاية، بعدها تزوجنا وعشنا أيامنا الرائعة لم نكن نعلم أنه دبّر لنا لعنة.

– لعنة!
أردف بها (بلودنيس)، فأومأت الملكة برأسها وأكملت: لعنة أضاعت توهّج مملكتنا فوسفوريكا بلونها الفسفوري المعروف وحددت نسلنا فلم أنجب إلا فتاة واحدة…

وهنا تمالكتها العبرة فبكت بشدة، فربّت عليها زوجها بلطف قائلًا: إهدئي عزيزتي سافو  كل شيء سيكون على ما يرام، اطمئني!

ثم إلتفت لـ(بلدودنيس) وتابع: إبنتنا رانديناس عندما كبرت والتمع توهجها وظهر جمالها مرضت مرضًا شديدًا، غابت عن الوعي منذ وقتها، عرضنا عليها كافة الأطباء واستدعينا آخرين من ممالك أخرى، لكن بلا فائدة لازالت في سُباتها!

قالها بأسفٍ شديد، ثم ابتلع ريقه بهدوء وتابع: وقبل أن أقتل دوراز اعترف لي بسر لعنته.

فأكملت الملكة: وعندما بحثنا في الأمر وجدنا إمكانية التخلص من هذه اللعنة على يد شخص برمائي يمتلك هالة ضوئية وله علاقة نورانية بينه وبين النجم نبتون وهذا ما اكتشفته الليلة عندما كنت تحملق بنجمتك، ألم تلحظ يومًا هذه الهالة الزرقاء المشعة منك؟!

وجم (بلودنيس) قليلًا بصدمة وأجاب: كأن ذلك سبب نعتهم لي بالملعون !
ثم قال: لكن ماذا يتوجب عليّ فعله؟!

– عليك فك اللعنة خلال أربعٍ وعشرين ساعة من لحظة توهجك مع النجم نبتون وذلك بـ…….

فلم يجد (بلودنيس) إلا أن يوافق رغم قلقه من إخفاقه، نهضا اثنانتهما، سبحا فسبح خلفهما فقد تحولت أطرافه لأطراف مزعنفة بعد فترة من سكنته بـ ( فوسفوريكا).

وصلوا جميعًا إلى غرفة فأزاح الحارسان صدفة المدخل فدخل الثلاثة ثم ارتقوا عدة درجات مصدّفة مزدانة باللؤلؤ ثم تختٌ عظيم مستدير الشكل على شكل صدفة كبيرة نائمة فيها الأميرة مزينة باللؤلؤ الملوّن.

أشارت الملكة للوصيفتين الملازمتين للأميرة وكانتا حوريتان فخرجتا على الفور، ثم أشارت لـ(بلودنيس) فتقدم وإقترب من تخت الأميرة وكان شعره الفضي الطويل متوهج بالنور وعيناه تضيئان بالزرقة ومرتديًا حلته السوداء اللامعة.

أطال (بلودنيس) النظر لـ(رانديناس) النائمة، تأمل جمالها الفتّان، تحمل ملامح أمها فأهدابها طويلة و شعرها الأحمر الطويل جوارها، شفتيها الكرزتين، وجنتيها المتوردتان رغم نومها الطويل، لقد تحركت مشاعره نحوها في لحظات! شعر بدقات الكائن بيساره والذي لم يشعر به قبل ذلك أبدًا!

فسحبه إحساسه نحوها وبدون تفكير نفذ ما قيل له لفك اللعنة، أخذ الخنجر من الملكة، جرح ساعده جرحًا طوليًا ثم فتحت الملكة علبة صدفية وأخرجت منها كوبًا ذهبيًا، التقطه وقطر فيه من دمه حتى ربعه، قرّب الكوب من شفتيه، تمتم بالتعويذة التي أملتها عليه (سافولين) ثم غمس أطرافه المزعنفة بدمه و مسح بها على جبهة الأميرة ولازال يتمتم بالتعويذة، ثم أخذ شيئًا صدفيًا دقيقًا وقطّر به من دمه بداخل فمها.

كان كلما تمتم ازداد توهجه حتى صار نور الغرفة كوقت الظهيرة، تحرّك نوره في صورة دوامات فوق تخت الأميرة نور (بلودنيس) الأزرق وآخر أحمر من (رانديناس)، ظلا يلتفّا حتى إتحدا وامتزجا، توهجت الغرفة بالنور البنفسجي الفوسفوري بقوة نور النجم نبتون وتوهجت (فوسفوريكا) أخيرًا بأكملها.

وهنا تململت الأميرة في فراشها، فتحت عينيها الحوراء ما أجمل سحرهما! فأمسك (بلودنيس) بطرفها مقبّلاً له ثم راكعًا لها معلنًا هيامه بها، نهضت جالسة تتأمله مدققة النظر بزرقاويتيه ثم ابتسمت وضغطت بطرفيها على طرفه الممسك بها.

فرح الأبوان واستبشرا ثم أُعلن الخبر والإحتفالات بالمملكة، تم زواجهما، صار (بلودينيس) ولي العهد الرسمي وعاش الجميع سعداء، وأخيرًا آلف (بلودنيس) وتآلف وصار له الكثير من البنين والبنات.

وانقلبت حياته تمامًا، صار قرار في لحظة يأسٍ تملكته سببًا في سعادة دائمة غمرته، لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا!

تمت  💗

 

 

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة الان